قيمة الكتابة المسرحية في صياغات قاسم مطرود

جاسم المطير 



( كلمة جاسم المطير ألقاها في احتفالية جمعية البيت العراقي في لاهاي ـ 25 حزيران 2005 ــ بمناسبة صدور كتاب المسرحي العراقي قاسم مطرود : الجرافات لا تعرف الحزن )

من النادر أن أقرأ مسرحية ، أعني نصا مسرحيا مكتوبا . فأنا عاشق لمشاهدة النص المسرحي يتحرك أمام عيني على خشبة في قاعة مغلقة أو حتى في ساحة مفتوحة على الفضاء . فكل نص مسرحي أقرأه أجد نفسي عند القراءة الأولى بأنني لا أطيق ما قرأت إلا إذا أعدت قراءة النص مرتين .

في القراءة الأولى أشعر بالغموض المغلق .

في القراءة الثانية والثالثة أشعر أن إيحاءات الكاتب تصلني بشفافية تجعل غموض القراءة الأولى فنا مسرحيا من نوع خاص .

قبل أربعة أعوام قرأتُ نصا مسرحيا مكتوبا بخط يد الصديق قاسم مطرود عنوانه للروح نوافذ أخرى . قرأت بعده نصا ثان ٍ عنوانه الجرافات لا تعرف الحزن فوجدته في النصين يحرسهما‏ بالمعاني الإنسانية الواقعية ويثبت أركانهما بملامح من الفنتازيات ‏ ، ويعلي بنيانهما بجمال الكلمة وسياق الحوار .

اليوم لا أتحدث عن المعنى الظاهر والباطن في مضمون كتابه الأول الصادر في أبو ظبي ــ نعم في أبو ظبي وليس في بغداد بعد أن توقف نشر الكتب في عاصمة الرافدين أو يكاد ــ زاد على النصين المذكورين ، نصين آخرين مما جعل فن كتابه الأول غنيا .. فكان كتابه متضمنا أشخاصاً أحياء بحوار معبر وبناء محكم وعقل ناضج مضيء قادر على كشف وجوه الإنسان على حقيقتها .. أريد اليوم بهذه الساعة السعيدة تقديم تهنئتي للمسرح العراقي بمولد كاتب يسهم مع آخرين في عملية تطوير مستقبل المسرح العراقي .

لم يقع قاسم مطرود حين كان في بغداد في فخ المسرح السلطوي في ظل نظام صدام حسين لا ككاتب ولا كمخرج ولم يقع في فخ المسرح التجاري المهووس بالعبث والسطحية والخواء وهو المسرح الذي ساد في العراق خلال التسعينات من القرن الماضي .. بل ظل أمينا لواجب المسرح ولكلمة المسرح ولفن المسرح
في هذه الأيام يقف قاسم مطرود يتحدى المرض ويتحدى الغربة في آن واحد يستجيب في ظروفهما الصعبة الخانقة لواجبه المسرحي فيستدعي جهده اليومي الخاص والشخصي ليفسح مجالا للفن المسرحي والعراقي أن ينمو وأن يتطور في أحضان موقعه في الانترنت المسمى ( مسرحيون ) ليذكرنا بالمسرح العراقي وبناشطيه ، داخل العراق ، وبروّاده ِ، في داخل الوطن والغربة .. يريد أن يسهم مع المسرحيين الطليعيين في تخليص مسرحنا العراقي الملوث ببعض الأمية وببعض السطحية وببعض الشهوة الاستهلاكية الموروثة من العهد البائد التي تهدد مسرحنا العراقي بمزيد من الأمراض إن لم يكن بالموت ، في زمن صار فيه ممنوع على المرأة أن تقرأ شعراً إلا وهي محجبة وصار على الشباب الذي يرتدي بنطلون الجينز أن يتحملوا سلخ جلودهم بعصي الشرطة حتى وإن كانوا قريبين من الحضرة الحيدرية في حماية الإمامين ، علي بن أبي طالب ، وأية الله السيد علي السيستاني في مدينة النجف الأشرف،كي يفرضوا التراجع على الناس من العصر الراهن إلى عصور الظلام بعصا السطوة والتسلط البوليسي من جديد . أتمنى أن يتكاتف المثقفون العراقيون جميعا بمختلف أدواتهم الإبداعية بما فيها المسرح كي لا يظهر ذئب جديد في وطننا بدلا من الذئب القديم مفترسا حضارتنا وإبداعاتنا .

اليوم ، في هذه الاحتفالية المتواضعة ، أحيّ نشاط ومجهود المسرحي العراقي قاسم مطرود

أحييه لأن لغته المسرحية تتطور بسرعة

لأنه يلاحق الحركة المسرحية العراقية بالتغيير

أحييه لأن جمالية عمله المسرحي تكتسب قيمتها لتأخذ موقعها في أعماق الناس

أحييه لأنه جعل من الواقعية " مضافاً " في كتابته المسرحية ومن الفنتازيا " مضافا إليه "

أحييه لأن مجهوده يصب في المشاركة مع المسرحيين العراقيين التقدميين لإيجاد معجم غير نفعي للمسرحية العراقية التي أراد نظام وثقافة صدام حسين أن يفسدوا قواعدها ، مثلما يحاول بعضهم الآن أن يجبروا المسرح العراقي على أن يغترب عن نفسه .

ختاما أقول : النهوض بالمسرح العراقي عمل جماعي يساهم فيه كل الفريق المسرحي العراقي داخل الوطن وخارجه وقد صار الفنان قاسم مطرود واحدا من أركانه .