الرؤية الواقعية في المسرح العراقي الحديث

قاسم مطرود نموذجا

فوزي السعدي

تحليل مسرحية

( للروح نوافذ أخرى )

تأليف قاسم مطرود:

الباب الثالث..الجزء الثاني

 

- الحوار والإرشادات المسرحية:

إن الحوار هو كلام الشخصيات المسرحية الذي تتناقله فيما بينها لتمرير خطاباتها، والتعبير عن آرائها، وهو أحد اللبنات الأساسية في بناء أي نص مسرحي، فعبر الحوار تبلغ المسرحية رسالتها، " والحوار في المسرحية، حوار بين الكاتب ونفسه، صحيح أنه ينقله من شخص إلى شخص، ويجريه على لسان بعد لسان، ولكنه كله يشير إلى حقيقة هامة هي الطبيعة الديناميكية للذهن البشري، وربما كان في دراسة هذا اللون من ألوان الأدب من خلال عملية الإبداع ما يكشف عن خصيصة هامة من خصائص التفكير الإنساني"([158]). إذن فالحوار يكشف لنا عن القدرات العقلية والفنية لصاحب النص المسرحي، تلك القدرات التي تستثمر إلى أفعال إبداعية ذات قيمة. وإلى جانب عنصر الحوار هناك الإرشادات المسرحية، والتي تعتبر بدورها عنصرا مهما في بناء معمار كل نص مسرحي. وترى الدكتورة سامية أسعد أن النص المسرحي يتكون من نصين اثنين، الأول رئيسي هو كلام الشخصيات والآخر ثانوي هو الإرشادات المسرحية، فالكلمات التي تنطق بها شخصيات العمل المسرحي، " تكون النص الرئيسي، والإرشادات المسرحية التي يوردها المؤلف تعتبر نصا ثانويا، ومن الطبيعي أن تختفي الإرشادات عندما تعرض المسرحية، فهي إذن لا تدرك ولا تؤدي وظيفتها التصويرية إلا عند قراءة المسرحية ."([159])

1.      الحوار في مسرحية "للروح نوافذ أخرى":

يشكل عنصر الحوار، العملية الأولى التي يتم بواسطتها نقل أفكار الكاتب إلى المتلقي عبر حوار يتم بين شخصيتين أو أكثر، ومن شروط هذا الحوار وجود موضوع أو تيمة يتم التحاور حولها، قصد التأثير في المتلقي، وإيصال الرسالة التي يود صاحب النص تبليغها للآخرين. إذن فالحوار هو القناة الرئيسية الحاملة للمعاني والدلالات الموجودة في أي نص مسرحي، " والحوار باعتباره أداة مسرحية تقع عليه أعباء ثقيلة، بل عليه وحده تقع كل الأعباء فمنه تعرف قصة المسرحية، وما انطوت عليه من حوادث ومواقف، وهو لا يقصها علينا حكاية وقعت في الماضي، ولكنها يقيمها أمام أعيننا في الحاضر حية نابضة تتحرك"([160]). هذه الحيوية التي يمتاز بها الحوار، هي التي تحرك العمل المسرحي وتدفع به إلى الأمام، فلا مسرح بدون حوار، وهنا تكمن أهمية المسرح وأصالته، وذلك في كونه فنا مباشرا ونابضا بالحركة والحياة، وهي حركية يغذيها الحوار الذي يقام أمام جمهور من المتفرجين، على خلاف سائر الفنون الأدبية الأخرى التي تنتقي فيها هذه الصفات، "والعجيب أن الحوار يؤدي الأغراض المختلفة بمفرده، بل العجيب أنه يؤديها كلها في الوقت عينه، فقد يرسل العبارة من عباراته إرسالا على لسان شخص من أشخاص المسرحية، فإذا هذه العبارة محملة بمختلف المهام… ففيها إخبار بحادثة، وفيها تكوين لشخصية، وفيها خلق لجو، وفيها تكوين لروح مظلم أو مفرج ".([161])

كل هذا يبين على أننا أمام ركن هام في المسرحية، وقد اتخذ قاسم مطرود من تقنية الحوار سلاحا فعالا لإثارة القضية التي يحاول معالجتها في هذه المسرحية، فبواسطته تم التعريف بالشخصيات، وتصوير تطور الأحداث، وكذلك التعبير عن الحالة النفسية للشخصيات وللحركات المصاحبة لهذه الشخصيات أثناء حديثها، فما هي أهم سمات الحوار في هذه المسرحية ؟ 

لعل أهم خاصية يمكن الوقوف عندها في الحوارات التي أثثت مسرحية "للروح نوافذ أخرى"، هي البعد عن التعابير الفجة والإطناب في الكلام، إلى نزوع نحو التركيز في العبارات والاقتصاد في الكلام، وهو أسلوب يبتعد عن التهريج في الفن، لينفذ إلى عمق ودقائق الأشياء، فتكون كل عبارة منطوقة من طرف شخصية من الشخصيات محسوبة دلاليا، وهادفة لغاية معينة. ويرى عادل النادي أنه ينبغي للكاتب الدرامي أن يكون: "متيقظا دائما لشخصياته، ولا يسمح لأية شخصية أن تنطق بكلمة لا يكون لها دور إيجابي في تصوير الشخصية نفسها، أو في دفع الأحداث إلى الأمام، أو في إلقاء ضوء معين على شيء يريد الكاتب أن يخبر به المتلقي، أي لابد من الاقتصاد في الحوار"([162]). وهكذا فقد جاءت حوارات الشخصيات في هذه المسرحية قصيرة كميا، لكنها غنية وعميقة دلاليا، وهذه خاصية لم نلمسها في فصل دون آخر بل جاءت طابعة لكل المسرحية من بدايتها حتى نهايتها:

"ذان: نحن من منظمة.........

براء: (تقاطعه دون أن تتحرك من مكانها) دعي العطر يفوح من جسدك كالوردة في نسيم الصباح

أيان: (يرمي على رأس الزوجة وبراء مجموعة من الصور) قررت منظمة..... 

الزوجة: أعرف ذلك

ذان: (يرمي صور أخرى) هذا بلاغ هام

أيان: سيعود حاملا بين يديه الروح لتحكي غيبة السنين الطوال في الأسر والوجع والأنين

الزوجة: (تأخذ  بعض الصور من على الأرض..... تنظر إليها) علي أن أنتظر

براء: بداية الشهر

الزوجة: منتصف الشهر

ذان+أيان: (يخرجان ثم يعيدان رأسيهما) باسم المنظمة ومن أجل المصلحة العامة نوصيكم بالانتظار (فترة صمت... تتقدم براء إلى مقدمة خشبة المسرح)

براء: (تأخذ بعض الصور المرمية على الأرض وتعلقها على الجدار) قدري أن أكون بهذا الشكل أما لأم (تتأمل صورة كبيرة من صور الأم) تذكري أرجوك أن تتذكري... يا لحكمتك يا رب"([163]).

ففي هذا المقطع الحواري وغيره، نلمس فيه أن كلام الشخصية لا يتجاوز في غالبيته جملة أو جملتين على الأكثر، إضافة إلى لجوء صاحب النص في أكثر من مرة إلى توظيف الصمت الذي بدوره مدعاة للتدبر في الحكمة من توظيفه، والبحث عن دلالته، فالصمت وكما قال جون بول سارتر يشكل لحظة لغوية لها دلالتها في مسرح العبث، حيث يكون بمثابة منبه لتغيير الإيقاع أو للعدول عن أمر غير مرغوب فيه... والصمت هنا في هذا المقطع الحواري جاء لحظة فاصلة للانتقال من الحديث عن اقتراب عودة الأخ، إلى الحديث عن حالة الأم المصابة بداء النسيان، وهكذا نجد أن هذا الصمت يعتبر عاملا مساعدا للشخصيات للانتقال من حالة إلى أخرى دون مقدمات وتمهيد. وبالتالي يساعد على الاقتصاد والاختصار في الكلام. والأكيد أن هذا النوع من الحوار هو أبلغ تعبيرا من أي شكل حواري آخر، وأصدق نقلا وتعبيرا عن أحاسيس الشخصيات، ويمكن أن نرى وجها آخر لهذا التركيز والاقتصاد في كلام الشخصيات، فقد يكون ذلك إحالة على أنها شخصيات ضعيفة ومنهكة، لا تملك القدرة على الاسترسال والتدفق في الكلام، مما يدل على أنها شخصيات مهزومة وضائعة، وقد كان الهدف من هذه الطريقة قرع قلوب المخاطبين بطريقة تستفز عقولهم ومخيلاتهم، والتفكير في ما لم تنطق به هذه الشخصيات، فلعل ما لم يقل، أو ما سكت عنه هو أشد قتامة وهولا، وهذه مدعاة لملئ  الفراغات والغوص في أعماق النص للبحث عن حقيقة ما تريد قوله هذه الشخصيات، فالبياضات التي يزخر بها هذا النص هي دعوة للمتلقي لمحاولة إعادة تركيب النص في المخيلة وملء هذه الفراغات. إن "ذان" و"أيان" في هذا المقطع الحواري لا يصرحان باسم المنظمة التي قررت عبر بلاغها الهام قرب عودة الأخ من الأسر، كما أن براء والزوجة لم تكلفا نفسيهما عناء السؤال عنها، بل هما يعرفان فحوى هذه الزيارة المفاجئة لمبعوثي المنظمة.

خاصية أخرى لمسناها في حوارات هذا النص، هي أن بعضها جاء بلا هدف ولا معنى، مما يدل على عبثية الحياة التي تعيشها هذه الشخصيات، ويبدو هذا واضحا من الحوار الأول الذي انطلقت  به المسرحية:

"(صمت... براء والزوجة جالستان على الأرض وسط خشبة المسرح... إحداهما تسند ظهرها إلى الأخرى... صوت جرس وطرق على الباب الخارجي)

براء: (دون أن ننحرك من مكانها) كان عليك أن تغسلي الصحون هذا اليوم (يرتفع صوت الطرق أكثر)

الزوجة: كان علينا أن تغسلي هذا اليوم

(يرتفع صوت الطرق أكثر)

براء: كان علينا أن نغسل هذا اليوم

الزوجة: أجل

براء: وأن ترتبي فراش غرفتك أحسن ترتيب."([164])

فهذا الحوار يدل على الفراغ الذي تعيشه هذه الشخصيات، والذي يجعلها تطرق مواضيع بلا معنى، حيث يصبح الحوار من أجل الكلام فقط، بهذا تبدو بعض حوارات النص تافهة لا تعبر عن شيء وإنما هي لتمضية الوقت فقط، وفي ذلك مقاومة للصمت والسكون اللذان يحيلان على الموت والاستسلام، نفس الحوار نجده يتجدد في مطلع القسم الثاني من المسرحية:

" صوت ذان: كان عليك أن تغسلي الصحون هذا اليوم

الزوجة: أجل

صوت أيان: كان عليك أن تغسلي الصحون هذا اليوم

براء: أجل

صوت أيان + ذان: كان عليكما أن تغسلا الصحون هذا اليوم

براء+الزوجة: أجل "([165])

بهذا الشكل تعكس لنا حوارات النص شخصيات عاجزة وضعيفة لا تملك سوى الانتظار كسلاح للمقاومة، وتعمل على عدم الاستسلام للعالم الخارجي، فالشخصيات ليس لها إلا التعبير عن أحاسيسها، وحياة بهذا الشكل تحيل على تفاهة الوجود وغياب القيم وهو أمر يلقي بظلاله على اللغة والتي تصبح عبثية بدورها، فيتم الإكثار من " المسلمات التافهة، والأقوال العادية التقليدية اليومية التي تشكل مادة الحديث اليومي والشعارات والكليشهات التي عفا عليها الزمن، وامتص منها كل مضمون"([166])، فمثل هذه الحوارات التافهة تجدها خالية من أي فكرة، فهي لا تعبر عن شيء مفيد، "حيث أن الناس لم يعودوا يتكلمون لأن لديهم ما يقال، بل يتكلمون بغية الكلام فحسب، لأنهم لم بعد لديهم حياة تزودهم بشيء شخصي يقال"([167]). كما عمد قاسم مطرود إلى توظيف عنصر التكرار خاصة في بعض العبارات والكلمات ونورد هنا على الخصوص كلمة "الانتظار"، فقد تكررت هذه اللفظة في النص أربعة عشر مرة، وتكرارها من جهة يجعل منها عامل وصل بين مدلولها وباقي التيمات التي يحتويها النص، ومن جهة أخرى فهي تصور عمق الحالة النفسية التي تعيشها شخصيات هذا النص، والتي تجد عزاءها الوحيد في الانتظار. وتبدو الزوجة أكثر الشخصيات معاناة منه، فقد تكررت هذه اللفظة على لسانها تسع مرات في هذه المسرحية، مما يشير إلى التمزق الكبير الذي تعيش فيه هذه الشخصية:

"الزوجة: أنا مريضة بالانتظار، قتلني الانتظار جعل فكري أحاديا، لا أحسن شيئا سوى أن أنتظر.

الأم: ماذا قلت....

الزوجة: ولدك"([168])

ونجد شخوص المسرحية تتحدث حول موضوع معين، لكن وبدون مقدمات يتم الانتقال إلى موضوع آخر لا علاقة بالأول، مما يشعر بالتفكك الذي يعرفه النص، وهو تفكك مقصود، لأن الشخصيات بدورها مفككة وغير مفهومة في كثير من الأحيان، هذا ما يجعل كلامها مشحونا بكثير من الغموض واللامعنى:

"الأم: هل أنا في كابوس

براء: دعك من الكوابيس وتعالي معي نمتطي صهوة الجواد وتعبر القارات

الزوجة: نظف أسنانك نظف روحك

الأم: إني أسمع صوت قطار، بل صفارة إنذار

الزوجة: وأنا لا أسمع شيئا، بل أبصر ديدان الأرض تتسلق كل الأشجار

براء: هذه صورة: (تحمل صورة) وهذه شجرة (تشير إلى شجرة داخل الصورة) وهذا عمر وهذه أنا وأنت معنا نقتسم الضحكة ونتألق بالفرحة

الأم: شجرة. عمر. صفارة الإنذار. ديدان تزحف" ([169])

وفي مقاطع أخرى الشخصيات لا تقول شيئا مما يوسع إحساسها العميق بالغبن والضعف:

"براء: أمي بماذا ستنادينني لو احتجت مني أي شيء؟

الأم: ا...................

الزوجة: أ...............

الأم: و...................

الزوجة: و...............

الأم: ب...................

الزوجة: ب...............

براء: أرجوك لا تنسي

الأم: براء تذكرت اسمك براء"([170])

عموما ساهمت الحوارات في كشف خصوصيات هذا النص الذي يدور في جو كابوسي خانق، يسيطر فيه إحساس كبير بالاغتراب والضياع والعجز العميق. وقد ألبس قاسم مطرود حوارات النص ذلك القلق الفكري الذي يسكنه، فجاءت الحوارات والمواقف والأحلام التي صاغها في مسرحيته بمثابة اعترافات صرح من خلالها عما يصول في أعماق نفسه. ولعل الخلاصة الأساسية التي نستنتجها من هذه الحوارات أنها حاولت التعمق في القضايا الإنسانية والنفسية التي تعيشها هذه الأسرة العراقية المنكوبة، رغم أن الشخصيات ذات طبيعة غامضة تجعل من الصعب فهم العالم من خلال وجهة نظرها. وبهذا تنسجم هذه الشخصيات مع شخصيات مسرح العبث الذي يصور قلق الإنسان العميق إزاء الحياة والوجود:

"الزوجة: كل شيء تحول في داخلي إلى شبح هرم  

براء: (تبكي) أودعته قلبي وثقتي العمياء

الأم: تبكين؟ يبدو أنك حزينة

الزوجة : أنا قلقة

براء: وأنا أيضا

الزوجة: أنا أنتظر

براء: وأنا أيضا "([171])


 

 

أنواع الحوار:

الملاحظ في هذا النص خلوه من حوار المقدمة(Prologue) الذي يمهد للعمل المسرحي، ويلقي الضوء على البعض من خطوطه العريضة، ويغيب كذلك الحوار الخاتمة Epilogue))  الذي يأشر على الخلاصات المستنتجة من المسرحية ويربط بين أحداثها. ويحضر في النص الحوار المباشر الذي يكفل التعبير عن أفكار الشخصيات ومواقفها، كما نجد في النص الحوار الداخلي (Monologue) ، وهو الكلام الذي تنطقه الشخصية ولا يكون موجها إلى مخاطب، ويمتاز هذا المونولوج بغياب التبادل الكلامي والابتعاد عما يدور بين الشخصيات من صراع. ويحضر المونولوج في مسرحيتنا حين تستعيد براء أحداث سابقة تحاول إطلاعنا عليها:

"براء: لأول مرة أعرف أن لمرضك حسنات عليك أن تنسي (مع نفسها) كم هو حزين ذلك اليوم الذي اختفى فيه كان يوما ممطرا وباردا ولا يفهم فيه سوى ظلام الليل وصوت الطلقات (تبكي) أتمنى أن أصاب مثلك بداء النسيان وأنسى كل عذابات العالم وأجلس في زاوية...."([172])

ففي هذا المقطع تطلعنا براء على ذلك اليوم الموحش الذي اختفى فيه الأخ وعبر هذا المونولوج يتم خلخلة تسلسل الأحداث سواء من الناحية الزمنية أو المكانية، عن طريق نقلنا إلى وقائع حدثت في الماضي، وحضور هذه المواقف المؤلمة في المونولوج يساهم في تكريس الجو الكابوسي الذي تدور فيه المسرحية.

عموما يشخص الحوار بمختلف أنواعه المأزق الذي تعيش فيه شخصيات النص، وهنا تظهر أهميته الخاصة في كل نص مسرحي فهو:

"-1- يدفع إلى تطوير الحدث الدرامي وتجلياته ومن تم تنتفي وظيفته كعامل زخرفي خالص .

· ·        2- يعبر عما يميز الشخصية من الناحية الجسمية والنفسية والاجتماعية والبيولوجية.

-3- يولد في المشاهد الإحساس بأنه مشابه للواقع مع أنه ليس نسخة فوتوغرافية للواقع المعاش ".([173])        

2  : الإرشادات المسرحية:

تلعب الإرشادات المسرحية دورا كبيرا في إثراء النص المسرحي، والمساعدة في سير مجرى الأحداث وتطوير الحبكة الدرامية،  وقلما يستغني نص مسرحي عن الاستعانة بها. ويعرف الدكتور إبراهيم حمادة الإرشادات  المسرحية  بأنها:  "هي التوجيهات التي  يسوقها  المؤلف  في  نص مسرحية- خلال الحوار- كي يوجه القارئ أو المخرج، أو الممثل إلى وجوب تنفيذ حركة ما ،  أو  وصف شيء معين أو نحو ذلك، وقد يذكر في توجيهاته أشياء ينبغي تواجدها على  خشبة التمثيل – أو خارجها- كأثاث من نوع معين… أو شخصية  ذات  صوت معين، أو ممثلة صاحبة مواصفات جسمية خاصة…"([174]). ويبرز دور الإرشادات  المسرحية الكبير في نقل المسرحي من طبيعته المكتوبة  إلى مرحلة العرض  المسرحي، لهذا نجد  سعد أردش  يعرفها  بأنها "  مجموع العمليات  الفنية والتقنية  التي  تتيح للنص المؤلف أن  ينتقل  إلى الحالة  المجردة،  الحالة  المجردة،  حالة   النص المكتوب على الورقة، إلى حالة الحياة الفعلية على خشبية المسرح " ([175])

  وهذا النص المسرحي ليس غنيا بالإرشادات المسرحية على القدر الذي يمكن أن نجده في نصوص مسرحية أخرى،  لكن ما حضر منها في النص يبقى مفيدا وذا دلالات كبيرة:

أسماء الشخصيات

إن لأسماء الشخصيات دور كبير في تكوين فكرة مسبقة عنها وعن  مبادئها، وهذا المعطى يساعد  كثيرا على تمييزها  وسرعة  فهمها، والملاحظ في هذا  النص – وكما أشرنا لذلك سابقا- أن المؤلف تعمد عدم  تسمية  عدد  من الشخصيات، واكتفى فقط بصفتها ونذكر هنا: الأم ، الأخ ، الزوجة، وهذا ما يتماشى مع طبيعة هذا النص المسرحي الذي يصب في دراما اللامعقول. وعندما تغيب التسمية ، وتنتفي وحدتا الزمان والمكان،تدخل هذه الشخصيات باب الشمولية، ويصبح النظر إليها في سياقها الكوني الغير خاضع لمفاهيم الزمان والمكان،  فتصبح  التسمية غير ذات قيمة، ويبقى الأهم هو جوهر هذه الشخصيات، وطبيعة الأحاسيس التي تحاول التعبير عنها وإيصالها إلى العالم. ويمكن تقسيم شخصيات النص إلى شخصيات رئيسية وأخرى ثانوية،  ففيما يخص الرئيسية فتتمثل في:

براء : هي أخت الأسير، تحاول أن تنتفض على الحزن والضياع،  وتحميس الأم لملاقاة الأخ العائد، لكن آمالها ستذهب أدراج الرياح لدى عودته وينقلب انتظارها إلى رحيل .

الزوجة:  أسيرة الهموم والانتظار علقت بدورها كل الآمال على عودة الزوج لكي تعود لها الحياة، لكن شيئا من ذلك لم يحصل ليكون مصيرها كمصير براء.

الأم: فقدت ذاكرتها بسبب الحزن والانتظار، تبدو غريبة عن المكان،  وهي شخصية تسيطر عليها الكآبة والضياع، تحاول  تذكر الماضي لكن  دون  جدوى.

الأخ: بعودته لن يعود أي شيء، بل ستضيع الأسرة وتشتد أزمتها،  وستسقط تلك الأحلام الجميلة التي راودت كل الأسرة في عودته. فهذه الشخصيات الرئيسية يحاول قاسم مطرود بواسطتها تبليغ الأفكار الأساسية المرجوة من هذا العمل، وتصوير الصراع النفسي الرهيب الذي تعاني منه الشخصيات جراء العزلة و الحرب والحصار…..

 أما الشخصيات الثانوية فتتمثل في كل من  "ذان" و"أيان"، فهما لا يحضران   في  صورة معينة وثابتة، بل يختلف حضورهما من  مشهد  لآخر، فتارة يحضران في هيئة ممرضي غرف العمليات، وأخرى بملابس عسكرية، وفي آخر  المسرحية يساعدان  على رسم  حالة الأخ المأساوية. إذن فحضورهما جاء مكملا للأحداث ومساعدا على فهمها.

الديكور:  إنه أول ما تصطدم عين المشاهد للعرض وهو يعطينا  فكرة  عن مكان  الأحداث  وزمنها، " والمقصود بالديكور هو القطع المصنوعة من أطر  العشب والقماش أو نحوهما، والمقامة في الغالب فوق المسرح ، لكي  تعطي شكل لمنظر واقعي أو خيالي أو منهما معا،على أن ترتبط إيحاءات هذا المنظر   بمدلولات المسرحية المعروضة. ولهذا  فإن  الديكور ليس  فنا منفردا  بذاته ،  ولكنه فن يتعايش مسرحيا مع الفنون الأخرى كالموسيقى والتصوير والإضاءة والتمثيل لخدمة النص المسرحي والمساعدة على تأدية مضامينه "([176]) . إذن  فالديكور عنصر  رئيسي  في إعطاء  قيمة  فنية  وجمالية   للعمل  المسرحي،  وهو يعطينا صورة  عامة عن  الأجواء التي  ستدور فيها المسرحية ،  ومسرحية  " للروح نوافذ  أخرى " تدل الإشارات القليلة التي تلوح منها، أنها تدور  في منزل  عادي  تخلو فيه مظاهر الترف  والبذخ،  رغم غياب إشارات من النص إلى  ذلك،  لكن هذا  يستنتج  من الحالة  النفسية  للشخصيات وحواراتها.

الملابس : تعطينا الملابس معلومات مهمة جدا عن الشخصيات وعن  وضفها الاجتماعي و ذوقها كذلك، فالزي " شيء ودلالة في  آن واحد ، ويمكن  أن يحمل بناء ما لمجموعة من الدلالات فهو قد يدل على الانتماء إلى طبقة اجتماعية معينة  أو ديانة معينة،كما يمكن أن يدل على الوضع الاقتصادي لمن يرتديه أو سنه و غالبا ما يكون الزي المسرحي دلالة لإحدى الدلالات الخاصة أو لشيء ما. " ([177])

والظاهر أن شخصيات النص الرئيسية  ترتدي زي الحياة اليومية، بخلاف  ذان وأيان اللذان يحضران في بداية المسرحية بزي  الممرضين وذلك لحظة  إرجاعهما الأم من المستشفى إلى المنزل، كما يحضران مرة أخرى بملابس عسكرية ،وهذا  اللباس العسكري يرمز للسلطة والقسوة، وحضور الزي العسكري فيه  دلالة كذلك على غياب الأمن  والاستقرار .

(  يدخل  ذان  مرتديا  ملابس عسكرية ... يحمل  معه حذاء ( البسطال)  يرميه على الأرض وبنفس لحظة  سقوط الحذاء  يسمع صراخ طفل ) .([178])

كما  يلعب  اللباس دوره  في الكشف عن الحالة المزرية للأخ عند عودته،  وذلك  حينما  يشير النص  إلى عودته بنفس الملابس التي  تخرج بها ، " يدخل ذان وأيان  وبصحبتهما ( الأخ ) تدل هيئته على  تعب السنين ، شعر رأسه أبيض وأسنانه مسودة، يرتدي نفس الملابس التي عينت له  في القسم الأول …"([179]) . فثيابه التي عاد بها تدل على أن  لا شيء  تغير، وعلى أنه عاش  أسرا وغربة مجانية لا مقابل  لها عند السلطة، وهذا يرمز إلى حقيقة عميقة جدا وهي ذلك التهميش الكبير الذي يلقاه المرابطون في جبهات القتال بعد نهاية الحروب أو لدى عودتهم من الأسر حيث لا يحتفظ التاريخ وذاكرة الناس، سوى بالشخصيات الكبرى، والتي   غالبا  ما تختفي وراء الحصون والجدران وتقاتل ببنادق الآخرين  وتستتر  بضعفهم  عند الهزائم، وتنال التشريفات والأوسمة على جثثهم عند المسرات  والانتصارات. ويبدو أن للملابس دورا كبيرا في إعطاء المزيد من المعاني هذا النص والكشف عن أحاسيس الشخصيات والتذكير بما ضاع:

" الزوجة:  ( تطلق ضحكة عالية ثم تبكي حتى يتحول الضحك إلى مزيح من الضحك والبكاء…. يتقدم إليها ذان وأيان  يمسكان  بها  يحملانها إلى غرفتها وهي مازالت تضحك كالمجنونة يجلسانها على كرسي  صغير  يتقدم أيان….يرمي  في  حضنها ملابس أطفال  قطعة قطعة ثم يأتي ذان ويحيطها بثوب زفاف  بشكل غير منظم )  صعب أن تعود  الأشياء  إلى ما كانت  عليه"([180])

فملابس الأطفال هنا، فيها استحضار للابن الذي مات جراء نقص الحليب والحصار..وثوب الزفاف الذي عادة  ما يؤتى به  في المسرات، يحضر هنا لتذكر الزوج الغير موجود لهذا فشكله غير منظم، وهكذا  يحضر ثوب الزفاف في غير موضعه الحقيقي، وعوض أن يكون رمز للفرح والمسرات جاء هنا تكريسا  للحزن  والألم  شأنه في ذلك شأن ملابس الأطفال.

عموما لعب هذا العنصر دورا كبيرا في التعبير عن الكثير من الرموز والدلالات المعبرة.

القناع : هو أداة  تحاول  الشخصية من خلالها التخفي والتستر،ويعرف الدكتور إبراهيم حمادة القناع  بأنه " غطاء مشكل ،مرسوم، يثبت على وجه  اللاعب ليخفي  ملامحه الأساسية في سبيل إعطاء الإحساس بملامح أو هيئة أخرى للإنسان أو حيوان ، أو نبات ، أو طير أو شيء ما، وكما يحدد القناع  الملامح  الأساسية للشخصية المؤداة فهو يجدد أيضا السن والطبقة الاجتماعية، والمزاج ، ولكن على وضع ثابت ".([181])

لكن القناع الذي يحضر في  هذه المسرحية  ينكث   بهذا  التعريف ،  فهو  قناع من  نوع آخر، فناع  بلا ملامح ،" يتقدم  ذان  بعكازته بعد أن  يضع على وجه  قناعا  بلا ملامح يتجه إلى الصندوق الكبير يفتحه. يخرج منه ميكروسكوب يتجه به نحو الجمهور،  يتعثر. تسقط ، عكازته"..([182])

فالقناع هنا لا يدل على رغبة الشخصية في تقمص دور آخر أو التشبه  بشخصية  أخرى، بقدر ما يعبر عن محاولة التخفي من الآخر والهروب من نظرته،  فالأخ ماتت روحه وذكرياته، ولم يعد  باستطاعته مواصلة الحياة والعطاء من جديد، لهذا فاستعماله للقناع  هنا جاء للتعبير عن العجز والضياع .

التابوت : حضوره داخل النص جاء تزكية للجو الكابوسي والجنائزي الذي  تدور فيه هذه المسرحية ، فهو دال على الموت والفناء والرحيل، ويرتبط حضور التابوت  في هذا النص بالحلم، وذلك جين يعود الأخ  إلى أهله في صورة الشهيد الذي قضى نحبه في  جبهات القتال، يعود محمولا على الأكتاف، بعدما تعلقت القلوب بعودته حيا يرزق ، لكن سيكتشف فيما بعد أن هذا الحلم ، هو أجمل من الحقيقة على التي  عاد  عليها الأخ بعد تخلصه من الأسر .

الرقص : هو لغة الجسد، ووسيلة  للتعبير عن الانفعال والمشاعر الإنسانية، وحضوره في المسرحية دليل على أنها لا تقوم على الكلمة فقط، فالحركة  بدورها تعبر عن الانفعال والأحاسيس ،وقد أضفى الرقص  قيمة إضافية للمسرح في القرن  العشرين ، وهو عند "ايزادورا" ، تعبير عن الحياة وهذا ما جعلها  تسميه "الروح" ، " و كل رقص هو نوع من رسم القلب وهو النمط البياني الذي  يحدد ارتفاع حرارة جسد  محموم…وجوهر الرقص الحديث أن تصدر الحركة عن الفكرة  والخطوة  عن  العاطفة  "([183]).  ويحضر الرقص في هذه المسرحية في فصلها الثاني، وجاء تعبيرا عن أحاسيس مغايرة عن التي اعتادها الناس فيه، فهو لم  يوظف للتعبير عن النشوة والفرح، بل على العكس جاء دلالة على الحسرة والألم :

" الزوجة:  ما الذي حدث

ذان: آه …لا يمكن حصر   الإجابة يا زوجتي

الزوجة: ( ترقص بسخرية )وأخيرا تعرف علي. نطقها قال: يا زوجتي( إلى الأم ) هل سمعت، إنني مازلت في ذاكرته

ذان :  ومن  قال  إنني نسيت.

الزوجة: ( تذهب إلى الصندوق) كل شيء فيك ميت، شكلك،  روحك، ذكرياتك، لم يبق منك سوى الاسم ([184])

إن الرقص في هذه المسرحية معبر عن الألم والانهيار، ويتبين لنا دور هذه التقنية الفعال في تصوير الأفكار والأحاسيس.

-  الأكسوسوارات : يقول باتريس باڤيس في تعريفه للأكسسوارات: " هو موضوع مسرحي-غير الديكورات والملابس- يستعمله الممثلون في العرض المسرحي،  والأكسوسوارات  كثيرة في  المسرح الطبيعي، لكنه اليوم يفقد قيمته  التعريفية  لكي يصبح  آلة للعب أو شيئا مجردا  ." ([185]

وتستمد الأكسوسوارات دلالاتها من الحيز الذي توجد فيه، وتكون لها  وظيفتها الدلالية في إعطاء المزيد المعنى والإيحاء، ومن أهم الإكسسوارات في مسرحيتها:

الكفن: هو لباس الموتى، وهو في هذه المسرحية أتى للمزيد من التأكيد على  النفس الجنائزي الذي تدور فيه المسرحية فبدوره يحمل الكفن دلالات السلب والفناء  وفقدان الحياة .

العكاز: فالأخ الغائب لم يعد بالنجمة البراقة على كتفه كما كانت تحلم بذلك العائلة،  وإنما رجع وبيده عكازه في إحالة على سقوط أفق التوقع الذي ارتسم في أذهان الآخرين ن فرجع الأخ مبتور الساق ومقطوع اليد: " يدخل ذان وأيان وبصحبتهما (الأخ) تدل هيئته على تعب السنين. شعر رأسه أبيض وأسنانه مسودة ومنحني القامة. يرتدي نفس الملابس التي عينت له في القسم الأول ويكون (ذان) أعرج متكئا على عكاز وايان مقطوع اليد اليسرى " ([186])

VI - الرؤية إلى العالم :

أكيد أن كل عمل أدبي هو عبارة عن بنية  مغلقة تفرض تدابير وإجراءات تمكن  الدارس من النفاذ إلى هذه البنية والبحث في مكواتها  المختلفة . وإذا كانت  مسرحية " الروح  نوافذ أخرى " عملا متميزا  من الناحية الفنية والدلالية ، فإن  قراءتها على ضوء المنهج  البنيوي التكويني سيساهم في المزيد  من إلقاء  الضوء  على هذا  العمل  المسرحي ، كون هذا المنهج يملك  القدرة على كشف  البنيات الداخلية المكونة  لهذا النص المسرحي.

ومهندس هذا المنهج هو لوسيان كولدمان ، الذي ولد  بالعاصمة  الرومانية  بوخارست سنة 1913 ودرس بها الحقوق. ويعلن كولدمان نفسه تلميذا لكارل  ماركس وللوكاش الشاب، والفرضية  الأساسية لمنهجه البنيوي التكويني مؤداها أن  "كل سلوك إنساني هو محاولة لتقديم جواب دال على وضعية مطروح، ومحاولة من خـلال  ذاك  لخلق توازن بين الذات الفاعلة  والموضوع الذي  مورس عليه الفعل"([187]) . كما أن العمل  الأدبي في حد  ذاته  تعبير عن رؤية  للعالم ،  ويلجأ  كولدمان  إلى هذا المفهوم  للتخلص  من النظرة  الآلية  التي  تقول  بالانعكاس ،  فماذا  نعني بالنظرة إلى  العالم ؟ وكيف تشكل  أفكار الفرد المبدع نتاجا  للوعي الجماعي في المنهج البنيوي  التكويني ؟ .

قبل تعر يف مفهوم النظرة إلى العالم لابد من الإشارة  إلى أجواء السخط والغضب التي سادت بين صفوف مؤرخي الأدب عندما هم لوسيان كولدمان بتقديم طروحاته ودراساته حول مسرح باسكال وراسين في حدود الخمسينات من القرن الماضي، وجاء هذا اللافهم لأفكاره ملازما لظهور المسرح الجديد على يد صامويل بيكيت وأداموف.. " ومن  المفيد  أن نقر بأن  هذا اللافهم  كلن يؤول  إلى  الاضمحلال،  كما أنه انمحى عندما ظهرت  في فترة متأخرة « الرواية الجديدة » التي لو تصادف مقاومة على الإطلاق".([188]) كما أن أفكار لوسيان كولدمان كانت تلقى الدعم من أسماء كبيرة  ومعاصرة  له مثل موريس دوغاندياك  وهنري غوهييه ،الذي أهدي إليه كتاب  "الإله الخفي"، وهو الكتاب الذي  تحدث فيه كولدمان عن الرؤية إلى العالم وعن الفهم والتفسير. فالمعرفة الفهمية والتفسيرية  لظواهر الوعي، لا يمكن أن تتحقق إلا بر إدماجها في كليات اجتماعية أكثر اتساعا دمج يمكن وحده من فهم  دلالتها. " والرؤية إلى  العالم هي بالتحديد هذا الموضوع من الطموحات من المشاعر والأفكار التي تضم أعضاء مجموعة ( وفي الغالب طبقة اجتماعية) وتواجهها مجموعات أخرى، إنها بلا شك خطاطية تعميمية  للمؤرخ ، ولكنها تعميمية لتيار حقيقي لدى أعضاء  مجموعة  يحققون  جميعا  هذا  الوعي الطبقي بطريقة  واعية ، ومنسجمة إلى حد ما"([189]) . أو بصيغة أخرى فإن مفهوم الرؤية إلى العالم يجسد وجهة نظر ملتحمة حول مجموع الواقع والعمل الأدبي " هو  التعبير  عن  نمط من الرؤية  والإحساس  بعالم   ملموس من الكائنات والأشياء ن يمكن أن يكون هنالك فارق قد يكبر وقد يصغر بين النوايا الواعية أو الأفكار الفلسفية والأدبية للكاتب، وبين الطريقة التي يرى بها أو يحس بها العالم الذي يخلق فيه"([190]) . ويشكل مقدار تمثيل العمل الأدبي لرؤية جماعية ومتناسقة للعالم أبرز المعايير لقيمة هذا العمل، لهذا نجد كولدمان يشتغل بالبحث عن العلائق التي تصل العمل الأدبي برؤى وأفكار طبقة اجتماعية معينة. وهذه الأعمال الأدبية رغم كونها تصدر عن الفرد غير أنها في الحقيقة نتاج لوعي جماعي يسلك عبر بوابة الفرد الإشكالي، وعند كولدمان فإن " مفهوم الفاعل (عبر الفردي)، أو الفاعل الجمع هو الذي يفسر كذلك مفهوم (الرؤية إلى العالم)، حيث أن الوقائع الإنسانية  لا يمكن إلا أن تكون حركة جماعية منصبة على موضوع طبيعي أو اجتماعي([191]) ، فالرؤية التي تلقيها الطبقة الاجتماعية إلى العالم تتحقق بواسطة الفرد الذي ينوب مناب الجماعة، ويتصرف انطلاقا من كونه حاملا لنفس البنيات الذهنية التي تسود لدى تلك الجماعة. " وبهذا المنظور فإن الفرد لم يعد ذلك "الأنا" المنعزل عن الآخرين ولم يعد الضمير الجمعي حقيقة جامدة مفروضة من الخارج على الأفراد، بل إنه لم يعد موجودا إلا من خلال وعي كل فرد في علاقته مع وعي الأفراد الآخرين، مما يكون الذات الفاعلة أو المبدع الحقيقيين وخاصة في الوضعية الاقتصادية الواحدة التي تعيشها نفس الطبقة أو المجموعة الاجتماعيـــة، "([192]) . نحن إذن أمام سلوك عام يشمل العناصر المكونة للمجتمع ما، فيتكون لدينا وعي جماعي لأفراد مساهمين في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لمجتمعاتهم، هذا الوعي الذي هو بنية فكرية، تتخذ شكلين متمايزين رغم ما بينهما من تمايز وتجاوب، الشكل الأول يسميه كولدمان بالوعي القائم والثاني هو الوعي الممكن والذي يتولد عن الوعي القائم لكن يتجاوزه ليكون وعيا بالمستقبل، أي وعيا بالحلول اللازمة للطبقة حتى تستطيع تجاوز مشاكلها والاكراهات التي تعاني منها، وعندما يصل هذا الوعي إلى درجة من التلاحم بين الطبقة ويتمثل في صورة من الأفكار والتصورات آنئذ يصبح رؤية للعالم. إذن فلوسيان كولدمان يدحض ذلك التصور الذي يقول بفردانية  الإنتاجات  الأدبية، لأن الفرد " لا يمكنه أن يقيم وحده بنية ذهنية في مثل تجانس وانسجام(الرؤية إلى العالم)، التي هي من تهييئ المجموعة أو الطبقة الاجتماعية، ولكن يمكنه فقط أن يدفع بها إلى درجة عالية من الانسجام، ويتمثلها على مستوى الإبداع التخيلي أو الفكري، وبذلك تنتظم أعماله بنية دالة تستمد انسجام عناصرها وتناسق مكونتاها من انسجام وتلاحم الرؤية التي تتضمنه ". ([193])

ويركز المنهج البنيوي التكويني عند لوسيان كولدمان على مفهومين أساسيين هما الفهم والتفسير فماذا نقصد بهاذين المفهومين؟ .

إن الفهم هو تلك الخطوة الأولى التي يمكن بواسطتها تفكيك الأثر الأدبي، وذلك بالانطلاق من النص وحده ولا شيء غير النص، كخطوة لإدراك العمل الأدبي وكشف خصوصياته بالتالي تحديد بنياته الدالة، فالفهم" مسألة تتعلق بالتماسك الباطني للنص، وهو يفترض أن نتناول النص حرفيا، كل النص ولا شيء سوى النص، وأن نبحث داخله عن بنية شاملة ذات دلالة"([194]) . فالفهم خطوة أولى ومهمة لكنها تظل قاصرة وناقصة، في غياب عملية لدمجها ضمن بنية اشمل وأكثر اتساعا، وهي مرحلة التفسير كخطوة ثانية تنظر إلى بنية العمل الأدبي لاعتبارها وظيفة لبينة اجتماعية أوسع منها، والتفسير مسألة تتعلق " بالبحث عن الذات الفردية أو الجماعية التي تمتلك البنية الذهنية المنتظمة للنتاج الأدبي بالنسبة إليها طابعا وظيفيا ولأجل هذا  السبب ذاته ذا دلالة"([195]).

بعد هذا الفرش لبعض ملامح المنهج البنيوي عند لوسيان كولدمان سنعمل فيما يلي على استقطاب بعض مقولاته، وتطبيقها على مسرحية" للروح نوافذ أخرى". وسنعمل على استخراج بعض البنيات الدالة من عالم النص التخييلي والتي تناظر من حيث بنائها، البنيات الذهنية للجماعة الاجتماعية ذات الصلة الواضحة بها. وهذه البنيات هي على الشكل التالي:

دلالات الشخصيات : تحاول شخصيات مسرحية " للروح نوافذ أخرى" عبثا تحدي واقعها، وهي شخصيات ضاْئعة داخل وحشة هذا الواقع الذي تحيى فيه، مما جعلها تفقد معانيها الإنسانية، لهذا جاءت على غرار شخصيات مسرحيات مسرح العبث الذي جعل منها مجرد " هيكل اجتماعي وأخلاقي ونفسي وحرموها من الماضي والمستقبل، وعزلوها عن الجماعة التي تنتمي إليها، وقطعوا الصلة بينها وبين الآخرين، وأصبحت سماتها وإن وجدت تهكمية ساخرة"([196]). وتظهر شخصيات المسرحية غير واضحة في ملامحها ووضعياتها الاجتماعية علاوة على غياب التسمية عند بعضها، فهي تترفع إذن عن وضع الشخصية في المسرح التقليدي لتغدو رمزا أو صوتا . إذن فلعبة الأسماء في النص، وبناء الشخصيات بشكلها الغرائبي وأحاسيسها المتناقضة، وغياب الحدث بمفهومه التقليدي، إشارة إلى أن المسرحية تريد أن تقول أن المشكلة ليست في بناء طريقة بناء الأحداث، وتلميع صورة الشخصيات، وإنما تكمن في العلاقات الاجتماعية المهزوزة التي تدور في العالم الخارجي، وأن شكلها المفكك هو حاصل العالم المفكك الذي تعيش فيه، وهذه الشخوص حيث لا تجد مكانا في العالم  ،"  تغير الكتابة بحواراتها الدرامية شكل الوجود الواقعي الضائع إلى وجود عبثي في زمن الكتابة، به تسائل علاقتها بالعالم،  وتسائل شكل بناء الشخوص في بنية الكتابة الدرامية، وهي الكتابة التي تقرب فعل قراءة هذه التيمات من التركيبات اللغوية المفككة عن قصد، وتترك - عن عمد- بياضات و ثقوبا في معنى الكتابة لتوسيع دائرة معنى النص " ([197]).

هذه الشخصيات المفككة، سينطقها قاسم مطرود لغة تعكس هذا التفكك والغموض.

دلالة اللغة :  إذا كان المسرح التقليدي يجعل من اللغة أداة تواصل بينه وبين المتلقي، فإن هذا الشكل التجريبي في الكتابة المسرحية عند قاسم مطرود، يخل بهذا المبدأ عبر تبنيه للغة عبثية ذات تركيب يغلب عليه طابع التركيز والاختصار في أغلب حوارات النص،  حيث أن هذه اللغة العبثية  تعكس  القلق والتوتر الذي تعيشه هذه الشخصيات:

براء: أرجو أن تساعديني ( إلى الأم) يا أمي.

الأم: ها أنا استمع ولكن لو أنت متوترة ؟

براء: لا اعرف ... حقا لا  أعرف ( إلى الزوجة) هي أنا متوترة بالفعل ؟

الزوجة: لا أعرف (إلى الأم) هل أنا متوترة ؟ ( الأم لا تجيب) لا تعرف.

الأم: عن أي شيء تتحدثان ؟  ([198]).

هذه اللغة المركزة  والفوضوية في بعض الأحيان تحقق نوعا من الانسجام والتناغم بين شخصيات النص ومنطوقها اللغوي لتصور لنا ذلك الصراع الحقيقي الذي يروج في دواخل الشخصيات، فلغة البعث غالبا من تكون، " في صراع مع الفعل المباشر، وتتقلص إلى مجرد ثرثرة لا معنى لها، كي تؤكد لا جدوية الاتصال أو تبادل الأفكار بين الناس " ([199]). وهنا يمكن أن نتحدث عن ملاْءمة اللغة للموضوع،  فلغة النص تعمل على تزكية الحقيقة الإنسانية للشخصيات المثقلة  بالهموم والانكسارات، هذا ما جعلها تستعيض عن اللغة العادية بأخرى ملؤها الغموض واللامعنى :

الأم: هل أنا في كابوس.

براء: دعك من كوابيسك وتعالي معي نمتطي صهوة الجواد ونعه القارات.

الزوجة: نظف أسنانك نظف روحك.

ويتبين هنا تشبع قاسم مطرود بتنظيرات رواد العبث على مستوى اللغة حيث " تتحدد مواقع  الكتابة  في تجربته تحديدا في رسم لغة  عبثية النصوص الدرامية، وما تحمله من إشراقات في التعبير عن هذه المواقع وهي تحلق في فضاءات متخيلة تجمع بين الذكريات والواقع الحياتي للمجتمع" ([200]). وهي اللغة التي تلعب دورها في تداخل الأحداث، وخلخلة نظام النص، أما على المستوى المعجمي لهذا النص المسرحي،  فهو غني بالحقول الدلالية الدالة على الحزن والغربة والانتظار.

دلالة الانتظار:

أشرنا فيما سبق إلى أن مضمون النص يتركز حول الانتظار كتيمة رئيسية، غير أن النص لا يخلو من ملامسة تيمات أخرى كالعجز والضياع والعزلة، كما أن الأحداث تتصاعد وتنمو لكنها تعود في الأخير إلى نقطة الانطلاقة، وإلى الانتظار من جديد، فشخصيات النص تتحرك عبثا في دائرة مغلقة، وفي زمن ومكان غامضين :        الزوجة : لقد قال الانتظار ( برهة) لم يبق عندي أحمر الشفاه (برهة) أظنني لا أعرف كيف استخدمه الآن (برهة)

-         عندي ذكرى الأشياء. عندي بؤسي يحفر وجهي ويحدد ملامحي، أحسن تحديد ( برهة) حين يقترب موعد اللقاء ([201])

فالانتظار يزيد من قلق وتوتر هذه الشخصيات، التي لا تستطيع أن تنسى أو تدفن عذاباتها، انتظار يبتلع  الأحياء ببطئ، فيصبح النسيان وبتعبير الدكتور عبد الرحمان بن زيدان آخر ملاذ  لهذه  الشخصيات  تحتمي به  هربا من وطأة العذاب :

براء : أتمنى أن أصاب مثلك بداء السنيان، وأنسى عذابات هذا العالم، واجلس في زاوية (تتكون في عمق المسر) صغثرة أنتظر مصيري الذي يمر أمامي. كالشحاذ يحمل كيسا فارغة وأسمالا بالية ([202]).

إن كل شخصيات النص مسكونة بالانتظار، و مع الانتظار، " ومع طول الانتظار يغدو الجسد في مساحات النص دفتر أفكار يتقاذفه صمت عصوف يغيب مع النهار المظلم، وتستولي عليه فوضى الأشياء في الليل الدامس على المصير الواحد الذي يشترك في صوغ معناه كل متكلم يضع صور الواقع على  ضفوف الاستعارة الغامضة في الاستعارات " ([203]). والمسرحية تؤكد على عبثية هذه الشخصيات من خلال عذاباتها وانتظارها الذي لا ينتهي، و تتأكد هذه العبثية كذللك عند عودة الأخ بالحالة الكارثية التي انتهى إليها :

 الزوجة:  أين يدك ؟

بـراء: أين ساقك ؟    

الأم: أين أنا ؟

أيان:( يهمس) نحن جميعا في التيه نفسه([204]).

إن هذه الإحباطات المتلاحقة التي عاشتها شخصيات المسرحية، جعلتها تتنفس الحزن والضياع، وتواصل رحلة البحث عن شيء مجهول اسمه السعادة والفرح، في زمن حلزوني لا يعرف التوقف، حتى إذا صعد إلى  ذروته نجده يغلق أقواسه ليبدأ دورته من جديد، ويستمر معه الانتظار.