البناء الدرامي للخطاب المسرحي

عند قاسم مطرود

سعدي عبد الكريـم

تمحور البناء الدرامي للخطاب المسرحي عند الكاتب العراقي ( قاسم مطرود ) في جل نصوصه المدونة على جملة من القيم والثوابت والاشتراطات ألأساسية في مناهجية التناول الدرامي واعتبر تلك القيم والثوابت والاشتراطات بمثابة أدوات وعيوية وفنية وفكرية وجمالية لصياغة خطابه المسرحي ، وبذات القدر من الأهمية يحيلها فيما بعد إلى  مهام التداول لتنشيط فضاءاته الصراعية ومن ثم إلى ترتيبها كدلالات رمزية ومحاور استقرائية جوهرية داخل متن ذات الخطاب ، ويأتي على رأس هذه القيم تأكيده على استلال ( الثيمة ) من رحم الواقع المجتمعي المعاش وإخضاعها لمحاور وأدوات التطوير المذاهبية اللامعقولة والعبثية لتحرريها من زمكانيتها المغلقة ومن ثم لتحصل على مستويات راقية داخل مناخات التناول وأعلى درجات الاستجابة المثلى أمام نتائج الاستقراء الابتدائي .

اهتم ( مطرود ) بالإحاطة بالذات البشرية بنوازعها الخفية واحباطاتها والضغوطات الداخلية والخارجية الفكرية والسياسية التي تُمارس ضدها ، ويتعرض بذات الوقت للتقلب السياسي والفكري والسيكولوجي التي تمارسها الذات نحو مكنوناتها الداخلية الحائرة ، ويركز على مراحل نموها الفكري ودرجات امتلاكها للوعي النوعي للوصول لمراحل التغيير واستجاباتها لمواطن التحريض الذي يمارسه على ذات الشخصية وعلى الجو العام لخطابه المسرحي عبر مناسبات معارضته المعلنة الغير مسموعة أو الصريحة في أحايين أخرى مرورا بالتفتيش عن بواطن الخراب الجمعي ، والذي هي بالأصل مرحلة بائنة مميزة من مراحل البناء الدرامي في خطابه .

لقد تناول ( مطرود ) النزعات الإنسانية بطرفيها المحبط الرثائي والتقويمي المحرض بأشكال وهيئات ومسميات مختلفة ولكنها بذات لحظة الثبات البنائي الدرامي تحوم حول محاور دلائلية واحدة حيث تتمحور حول علاقة الفرد بالسلطة من ناحية ، والمجتمع والفضاءات الإيديولوجية وهيمنة الأفكار البالية السائدة من ناحية أخرى ، وصولا لمرحلة تدوين آراءه التكوينية الدرامية الواعية ونظرته الفلسفية الناهضة إزاء المناخ المجتمعي المعاش الذي يحيط بالذات البشرية ، لذا نجده يعالج تلك الصيرورة من جوانب متعددة  وبصيغ مختلفة ، ابتدءا من الثيمة الأصيلة ومرورا بطريقة تعاملها مع لغة النص وانتهاءا باتحادها الأمثل مع طروحاتها الهادفة إلى إنعاش مناخات التهذيب في نوازعها لتليها مرحلة تطهير الذات والجماعة المستقرأة من النوازع الشريرة ليوصلها لمنافع التغيير من خلال مخاصب الاعتراض والتحريض عبر خلقه وابتكاره لملاذاته الفلسفية والجمالية والفكرية والفنية وبعلامات بوحية متزامنة مع أطروحاته البنائية الدرامية وملتحمة مع توقد وتأجج الصراع داخل الحبكة ومتكئة على ميزة البوح عبر الذات ، لتشمل لاحقا محيط النص بجل شخوصه اللاعبة ، والمحاذية الأخرى .

لقد اعتنى ( قاسم مطرود ) بفكرة الخروج بتجربة ناضجة مكتنزة في عملية الكتابة للمسرح وذلك عبر فرادة بناءه لخطابه الدرامي ، ومن ثم لطرحه التحريضي الجريء لموضوعة خطابه المسرحي وتمازج الطروحات الفكرية لذات الفكرة وتناول قضية الوعي الفردي والجمعي . والأخذ بها إلي فاعلية ألذات المنتجة للبنية النصية بأنساقها المثلى الخصبة لتغدو التجربة برمتها فعلاً مسرحيا يحاكي الأفعال الإنسانية النبيلة ، ويناغم الظواهر المجتمعية ومن ثم التسلل لأعماق الذات البشرية بنوازعها المتباينة المنسجمة مع أرضية الأشكال المرئية عبر النص وفق مُضمرات الخطاب المسرحي الغير متصالحة البتة مع منظومة السلطة ومناخات السائد الواقعي الازدرائي ، ومن ثم ليحيل تلك الفضاءات لعلامات ذات التجربة بتشفيراتها المتعددة إلى مجموعة من الدلائل الوخزية داخل فضاءات مذاهبية مسرح اللا معقول والعبث والأخذ بمظاهر مسرحية استخدامية فنية أخرى كانفتاح مؤقت وقت التدوين وربما الاستقراء والتحليل ليحرر ذاته الحبيسة ابتدءا من الضغوطات السلطوية وليرتقي بذات الخطاب إلى المناحي الجمالية والفلسفية وهذا النمط من التناول البنائي نقرأه شخصيا وبوضوح في العديد من خطاباته المسرحية ابتدءا من مسرحية ( للروح نوافذ أخرى) مرورا بمسرحية ( طقوس وحشية) ورثاء الفجر وانتهاءا بمسرحية ( قرص الشمس) ونصوص مسرحية مهمة أخرى جاءت لتملأ تلك الحقب التي فصلت بين الفترات الزمكانية ما بين مواعيد ظهور هذه النصوص .

تميز الخطاب المسرحي عند ( مطرود ) بتقاطعه مع الانغلاق الفكري والوعيوي واعتبر المصالحة التوفيقية بين النص وبين مخاصب الإبداع الفكري والمعرفي هي النافذة الأوسع للانتقال النص من وظيفته الاستقرائية الفنية الجامدة ليحيلها إلى مجامر جمالية واعتراضية تحريضية ، وصولا لتحقيق أعلى درجة من درجات التغيير على فضاء الواقع ومناخاته اليومية بجل تصانيفها المعاشية والفكرية .

 ومن وحي هذا التماثل والتجانس الحي بين طرفي المعادلة في بناءه الدرامي ، يوقظ ( مطرود ) الذاكرة الفردية والجمعية من سباتها الطويل ليدلفها عنوة إلى رحم قضية أو فكرة خطابه المسرحي وهي بالتالي التي لم تعانق مبدأ اليقين الثابت في السائد اليومي الفوضوي  مزمعا تحويل جملة ذلك الطرح الفكري والسياسي باتجاه خلق نماذج منجزة تحيل له فكرته التحريضية السامية وفق  الكشوفات التي يقدمها الوعي اللحظي لذهن الاستقراء المسرحي ، إلى محاكاة طوعية أو تأشيرية أو مقتحمة لذهن الإبصار الابتدائي لتنشيطها ودفعها باتجاه التأييد الاعتراضي المتوخى من ذات اللحظة التكوينية في بنائه للمشهد المسرحي أو في لب الفكرة الأساسية المطروحة عبر خطابه المسرحي .

لقد شيد ( مطرود ) هيكليته البنائية المتينة لخطابه المسرحي من خلال اختراقه للتشكيلة النمطية المألوفة في بناء النص وجل ملامحه السينوغرافية والتأسيسية المغايرة الأخرى وتسيد عملية الانفلات الأولي لمنتجه الإبداعي الدرامي المسرحي.

 بمعنى انه استطاع في جل نصوصه من الإمساك بتلابيب الفكرة ومحاور البناء الدرامي وتفادي الوقوع بهيمنة التكرار واللغو والحشو لذا جاءت لغته المسرحية وبخاصة في بعض أعماله المتفاوتة في الانجاز التاريخي مثل نص مسرحية (للروح نوافذ أخرى) و(رثاء الفجر) و(طقوس وحشية) و(قرص الشمس) و(الجرافات لا تعرف الحزن ) لغة حريرية معافاة من الترهل والسرد ومتواشجة مع ذلك الاقتضاب الراقي في صياغة متن خطابه الدرامي المسرحي . والابتعاد عن الإسراف في مشاغل المحاورة ونرى شخصيا انه ابتعد عن المونولوج الطويل وركز على تشظية اللغة وتغليفها بمواطن الجمال والخراب الشعري أولا ، ومن ثم إحالتها إلى منظومة توصيل متكاملة من المظاهر الجادة من حقول العلاماتية والاشاراتية والايقونية ( السيميائية ) المحملة بالدلالات الرمزية ليخرج منها بصياغة حبكته المسرحية بأفضل حال وأرقى نوع من أنواع مناطق تناولها الإنسانية والفنية والجمالية والوعيوية .

اشتغل ( قاسم مطرود ) في بناءه الدرامي لخطابه المسرحي على مناطق فكرية وفلسفية تأسيسية هامة تمحورت في إطارها العام على مساحات عريضة من ذرائعية الاحتجاج ليحيلها إلى مفاتن اعتراضية تحريضية وصولا لمراحل التغيير مما جعل البناء الدرامي لخطابه المسرحي يتكأ على معماريات فنية مهمة عالية من تقنيات حرفية الكتابة للمسرح بوجه خاص ، والولوج إلى جملة من الفضاءات السياسية والفكرية والمناخات المجتمعية المعاشة اليومية لتشريحها بمشرط دقيق وتحت مجهر مختبري مبصرا للخلايا الدقيقة في جوهر المجتمع لكون ( مطرود ) جزء من لعبة الخراب الفائت وواحد من ضحاياه على المستوى الفكري والاجتماعي والسياسي ، واحد الذين رزحوا لتلك البديهة السلطوية القاتمة واحد ضحايا السلطة والذي راح بوقت لاحق يُسطر أروع ملاحمه الدرامية المسرحية داخل موقعه البديل ( ارض المهجر ) حيث كتب أكثر من ثلاثين نصا مسرحيا وهو بعيد عن أهله ووطنه ، ويبدو أن مراحل غربته الطويلة هذه قد أثرت بالإيجاب على توقد ذهنه البنائي الدرامي والشعري حيث صاغ أجمل نصوصه المسرحية وأفاض عليها طابعا من الأسى والحزن وشي من الشعرية المتواشجة بعمق عراقي متفرد وهذا نراه جليا في معظم متن خطاباته المسرحية وداخل بناءه الدرامي لذات الخطاب .

بنى( قاسم مطرود ) خطابه المسرحي على جملة من المساحات الدرامية الفكرية الواسعة ، لكنه جانب إعطاء المتلقي فسحة من التجوال في فضاءات الحلول الجاهزة واعتلى منصة النهايات العائمة التي يراد من كينونتها المعرفية الولوج لذهن الاستقراء وتنشيطه لاستثمار أعلى مرحلة من مراحل التوقد التحريضي والإبداعي اللحظي للخروج بنتائج فضلى من خلال ذلك التوقد الذهني لاستنهاض الوعي الخامل وتحريكه صوب إيجاد ملامح النتائج من ذات الخطاب المسرحي ومن خلال صياغة نتائج أخرى كان قد أهمل ( مطرود ) بقصدية استثمارية من تصميم إطاراتها العامة داخل خطابه المسرحي وفلسفة بناءه الدرامي الفني الناهض . 

يبقى ( قاسم مطرود ) من كتاب الخطاب المسرحي العراقيين القلائل الذين أجادوا فنيا وتقنيا وفكريا وفلسفيا في التعامل مع البناء الدرامي للخطاب المسرحي وأبدعوا في تأسيس نص عربي قائم بذاته ، ويحمل سمات النص المكتمل ، ومن ثم لتثمر جهودهم الاستثنائية الرائعة في خلق حركة مسرحية عربية تميزت بفرادتها وبمناخات طابعها السياسي والفكري والإنساني والفلسفي وبطقوسها الاحتجاجية التحريضية  في الجسد الذاتي والجمعي ، وصولا إلى إغناء مراحل التصحيح والتغيير المجتمعي التي نصبوا إليها جميعا .