مرثية نسجت ثيمتها من رحم الفجيعة

دراسة نقدية

مسرحية / رثاء الفجر

الكاتب / قاسم مطرود

سعدي عبد الكريم / كاتب وناقد مسرحي

نعم.رف هذي اللوعة، من ذاق مرارة أن يولد من رحم الفجيعة حيا ً ليعاود الارتقاء فوق منصات البوح، ويعلن بصوت مذبوح عن جل مراثيه الفائتات، وينسج فضاءا مسرحيا فواجعيا، يتحدث فيه عن الذي كان، والذي سيكون، ليعتلي صهوة ذلك الألم المأساوي القاتل الذي راح يصلب الأحلام فوق مقاصل التاريخ، وعلى مأساة ومذابح الحروب، ويردُ سهام الغدر النائية المغروسة في نحر مكامنه القصية العتيقة، بكفوف مقطوعة، وجثامين متهرئة الأوصال، وذوات محبطة ميتة، وجلود سُلخت قبل الذبح، وأرواح محلقة نحو ذاك الاتقاد المرير لهوس تجربة الحياة القاتمة المريرة، والتي لا تنتظر من بون ملهاتها المقيتة تلك،  سوى الترقب الحذر صوب تشظي أفكارها اليومية الحالمة الفائتة التي صادرتها أزمنة الحروب والفواجع وقهر الأيام السود، وخفوت بصيص الضوء المنبعث من ملامحها المذبوحة بسكين سلطوي أعمى، رغم كل هذه المرارة القاتمة فهي بذات اللحظة تعيش أمتع أزمنة التداعي والتناص الحي لذلك العشق الأزلي الذي يغلف ملامحها الطيبة المتجذرة فيها، رغم إن كينونتها الأخاذة يلتحفها قبر مركون ٌمنسي. 

نعم .. تلك هي أجواء مسرحية ( رثاء الفجر ) التي سطر مأساتها الدرامية الكاتب العراقي المبدع ( قاسم مطرود ) بقلم يتقاطر نزيفا بلون الدم، وهو يحاكي ملامح حياتنا الفائتة بخرائب فواجعها النائيات في محاضن ذلك الألم، وجملة الأحلام المؤجلة، التي راحت تحتضر أمام الأعين، حتى دفنت حية، داخل مقابر بلون كدنا ونكدنا وأسنا اليومي، حين راحت شخوصه تترجم تلك الفواجع عبر ذلك التحضير النبيل الآتي من ذواتها الميتة الحية، بذات اللحظة المتقدة من حالات الاستحضار الإنساني الممسرح.

لقد تكوّر الزمان والمكان عند( قاسم مطرود) في ثيمة( رثاء الفجر) حتى استحال إلى ومضات أكثر إشراقا من الحياة فوق وجه الأرض، فأحال مناطق بوحه وأشكاله المسرحية الراقية إلى مناخات أكثر اتساع ورغبة في الحياة، فراح ينسج ملامـح مرثيته الشعرية النبيلة داخل القبر، حتى خلنا بان هذه الفضاءات(المطرودية )هي ملاذا أرحب وأرقى وأكثر ترفا للعيش الآدمي، بعيدا عن ضجيج وآلام الحياة العادية المقرفة، فوق سطح الأرض، وهي بالتالي أكثر نبلا لتكون منطقة لاستحضار دفة التاريخ ثانية، ووضعها أمام محاكمة استقرائية عادلة، تبرر لنا مأساة حياة شخوص( مطرود ) الفائتة أولا، ومن ثم ليحيلها هو ثانية إلى صرخة مدوية في فضاءات الأزمنـة والأمكنة اللاحـقة ليصيرهـا إلى( سؤال أزلي) ربما عاش طويلا في دواخل ذواتنا البشرية التي لا تعرف الحقائق إلا عندما يحولها البطش السلطوي الآثم إلى أشلاء متناثرة داخل قبر تعشش بداخله الذكريات الهرمة الموزعة بشكل خرب على ملامح جدرانه المتآكلة.

·   هل من الممكن أن تحيّا الأجساد الميتة داخل القبور، لتفصح   عن مأساتها الفائتة، عبر أرواحها الحية المحلقة في دواخلنا الحاضرة في زمن التلقي ؟! .

هكذا صاغ برأينا( مطرود ) سؤاله الفلسفي الذي طالما أرق فطرتنا التي جبلنا بها، وهو ذات السؤال الذي شوه بنتائجه المأساوية عذرية وجودنا الآدمي، واجتاح مفازات دواخلنا القاحلة المترنحة المعلقة بين الموت والحياة ليجبرها على إقامة ذلك النسق المأساوي لطرفي المعادلة القائمة على برهنة استحضارية درامية في تأكيد فرضية جدلية الحياة داخل القبر، والتنفيس من خلال جدرانه الصدأة، والأجساد التي نخرها دود الأرض، والتي حولتها مأساتها إلى أشلاء متناثرة يجمع شتاتها الملحمي قبر من طين مجبول بماء ٍ الأرض الذي تلون بلون نشأتنا الأولى، وهي تفصح عن جل ما تحمله شخصيات رثاءه من مأساة وأحلام وذكريات وآلام ولحظات قهر وجوع وتشظي للذات، وكد وتعذيب ونزف حروب طاحنة تملأ الفضاء عتمة، وإحباط، ولحظات حب، وهمس يكاد يخنق الذاكرة الحية والميتة على حد سواء. 

إن ( قاسم مطرود ) راح يختزل جل فصول فواجعنا الفائتة، في فصل مأساوي واحد، ليقربنا من ملامح الذاكرة الجمعية التي رزحت تحت أتون ذلك الارتهان النمطي للأفكار والوعي الأشتغالي اليومي، بل وحتى على مستوى طريقة وكيفية التفكير التي فرضت على مساحة واسعة من النماذج الإنسانية التي دفنت بإسرارها وهي حية داخل متاهات قبر راح يلملم أشلاءها المتناثرة التي مزقته ابتدءا قبل الموت أفكار الإيديولوجيات المتسلطة، ومنعتها من البوح وهي التي لا تنعم بالهمس، حتى راحت تصرخ وتعري الأشكال والأشياء من حولها وهي داخل مفاتن قبورها التي جعلها ( مطرود ) فصل البوح الجليل الوحيد الذي تستطيع فيه الذوات، الإفصاح عن مكامنها وخلجاتها، لتحقق إنسانيتها المستلبة بماهيات وأشكال فينطازية وطريقة تدوين تنتمي لكل عتم المرارة والقسوة، وربما هذا ما راح يؤكــده المسرحــي الفرنسي( أنطوان آرتو) في تنظريات مسرحه(مسرح القسوة ) والذي أوجد تلك العلاقة ما بين المسرح كمؤسسة فرجوية جمالية وبين الفلسفة باعتبارها اختزال للمسافات الجمالية، والإفصاح عنها بطرائق الحكمة المتعالية، وهي ذات العلاقة المختلفة بشكل جذري وعميق عن تلك العلاقة التي أقامها الفلاسفة قبل وبعد ( آرتو ) أمثال ( سارتر ) حيث كانت علاقة ( ساتر ) بالمسرح علاقة أدائية استخدم المسرح فيها لتنفيذ مهمة محددة هي حمل جانب من أفكاره الوجودية ونشرها بطريقة تختلف عند أدائه ألتنظيري المدون في كتابه ( الوجود والعدم ) لذا فأن المناخ الفلسفي لدى سارتر كان سابقا عنده على وظيفة المسرح.

وحين الرجوع لمنابع هذه الثورة الفلسفية الناهضة نكتشف بان مردها إلى الفيلسوف ( نيتشه ) حين أطاح بعرش الأداء الشكلاني للفلسفة والمتمثل بصرامة أدائها النظري،   وبمنطقيتها المتعالية وهيبة خطابها المغلق على نوعه الصارم المعرفي، عبر اللجوء إلى أساليب أدبية ومعرفية عبر بيانات وملهمات تخييلية للتعبير والإفصاح عما هو فلسفي في جوهره، وتصنيفه الفلسفي.

ومن خلال هذا الفهم الفلسفي، وعلى صعيد إخضاعه لمنهجية العمل المسرحي التنفيذي اتجه ( آرتو ) إلى سياق آخر للفلسفة وإخضاعها إلى ديمومة المحاكاة في ( المسرح ) حيث اعتبر المسرح أو المحاكاة أو الفن بالعموم هو:-

* ليس الفن محاكاة للحياة، بل أن الحياة هي محاكاة لمبدأ متعال يضعنا الفن في تواصل معه.

ويقودنا هذا التأكيد الآرتوي على القول بان الفن عموما والمسرح بالخصوص هو منفعة فلسفية درامية ترتقي على الحياة في محاكاتها المباشرة، لتبحث المحاكاة لنفسها على مكان آخر متعال لضمان إيجاد ذلك المناخ التواصلي المؤثر للحصول على أعلى درجة من الاستقبالية الاستجاباتية في رحم الذوات الجمعية المتفاعلة والفاعلة في جسد الفرجة الجمالية بأنماطها المختلفة ابتدءا من الخطاب المسرحي وانتهاءا بالعرض الفرجوي.

ومما يستحق الوقوف عنده في نص ( رثاء الفجر ) لـ( قاسم مطرود ) هو قدرة هذا الكاتب المسرحي الفائقة والجريئة، في تأسيس منطقة فلسفية عالية في مديات طروحاتها من خلال لغته الشعرية التي تبعث على الأسى والأمل بذات اللحظة التي يتلذذ فيها حطام وخراب شخوصه وهي تفصح عن آمالها وآلامها ومرارتها وأحلامها داخل مفازات تلك اللوعة ومذابح الفجيعة وهو يفصح لنا عن رؤيته الفلسفية تلك ذات القوام الإبداعي ألمحاكاتي الممسرح، حين يذهب يرأينا إلى الإفصاح عن مسلمة افتراضية مفادها، إن بإمكان الدراما باعتبارها( فعل نبيل تام) أن تتخذ لها أشكالا فنطازية قاسية مؤلمة مرئية وغير مرئية تغيب عنها سلطة الفرد، وسلطة الأفكار، والسلطة الإلهية، وربما سلطة الكاتب أيضا، لتفصح عن جل ما يجول في ذواتها المتحولة بفعل خارجي قاهر، إلى ذوات خربة محبطة منزوعة الإرادة التي جبلت بها فلاذ بها ( مطرود ) إلى أمكنة أكثر فسحة وإخصاب من ذات الحياة، فهيئ لها مناخا دراميا ومكانا وشكلا متاحا تعبيريا أكثر رأفة وأكثر جمالا وإمتاعا والفضاء الاخصب لإقامة ذلك القداس البوحي، واعتلاء منصة ذلك المنبر المسرحي لافصاحاته، وكان لاختياره القبر وقعا أكثر دهشة وسحرا، حيث شكل هذا المكان عند ( مطرود ) رواقا أكثر ضوءا في ملاذاته الداخلية البوحية، لأنه أراد لشخوصه التنفيس عن رغباتهم وأحلامهم وآلامهم دون رقيب، لا من قلمه ابتدءا ولا من المتلقي، ولا من السلطات، ولا حتى من التأويلات الدينية.

وفي رأينا النقدي إن الذهاب إلى مشاعية هذا القصد الشكلي الترميمي في استثمار مناخ القبر، وصياغته كمهمة استدلالية، وقيمة فضائية، لم يكن جديدا ربما استخدمه الشعراء وكتاب القصة والرواية والمسرح، لكنهم لم يتناولوا هذا القصد الفلسفي الذي باعتقادنا هو مناخ غير متاح إلا لمن أناخ برحله في ملاذات الإجادة الرؤيوية الدرامية الناهضة التي تسكن عقل مسرحي مجيد وتتلظى بنار لغة شعرية منداحة بهوس الرثاء الذي ينتظر الفجر عبر شخوصه، كما صاغ ملاحق مشاهدها الدرامية المبهرة، الكاتب العراقي المبدع ( قاسم مطرود ).

ومن اجل دعم وترصين ما ذهبنا إليه في إنشاء النظرة النقدية المتوخاة لملامح هذا النص ( رثاء الفجر ) علينا التعريج بشيء من الإيجاز على محاولة توغل النقد الموضوعي ابتدءا بالانفتاح على المرحلة الرومانسية التأسيسية للخطاب، ثم تنامي هذا الاتجاه من الناحية الجمالية والمعرفية لدى ( مارسيل بروست ) وجل المحاولات التي تلته التي ركزت على الوعي في تأمل علاقة الذات المنبهرة بكينونتها الآنوية العليا، مع الكون المحيط بها، وضمن التصورات المتخلية الزمكانية وداخل إيقونة تفاعل الأسباب والمسببات، داخل الملامح البيئية لتلك الدلاليتين الواقعيتين في حيز( الزمان – المكان ) واعتنت أيما اعتناء بالتنظير لتلك النظرة الثاقبة في المعاينة الدقيقة، لدعم المنهج ( الظاهراتي )( الفينومينولوجي ) (Phenomenologi) والتي اشتغلت وفق انتظام مقام نقد وضع ( الجوهر ) ( Essences ) في الوجود الذي أطلقُ عليه أيضا مسمـى ( نقد الخيال ) أو ( نقد الوعي ) الذي أهتم به، وجهد في أغناء ملامحه الأصلية وإبراز مظاهر مناهجه التأسيسية ومناطق توهجه النقدي ( غاستون باشلار ) الذي أهتم اهتماما بالغا بذات الدلالة المتوازنة التواقعية بـ ( الفاعل ) فقد وسع ( باشلار ) منهجياته تلك التي اشتغلت على هذه المواطن النصية الخطابية، لتشمل المعرفة العلميـة، وتواصلهـا بين مدركـات ( الوعـي ) ومناخـات ورؤى وملاذات ( اللاوعي ) بتداخلية مفرطة، مع ( أحلام اليقظة )، وأزمة الخيال، والمديات المتعلقة بالتحليل النفسي، مع ظواهرية تحسس الصور، في مدى انطلاق الصورة داخل ماهيات ومناخات ( الوعي ) أولا، و(اللاوعي) ثانيا، للانتهاء أو الوصول لمعنى واحد، يستبق صيرورة ( الظاهرة ) ليؤسس لها إعلانا لاحقا، عبر مرحلة استقراء المنتج المخيلاتي التصويري في ذات الخطاب النصي والاشتغالات النقدية المحاذية له.

كما وركز الفرنسي ( جان بيير ريشار ) على عالم التخّيل، لفهم الموضوع بشكل رمزي، بمعنى انه يقوم بإحالة ( المعنى ) الأصيل إلى الـ( لا معنى ) أو العكس، حسب قواعد التواصل التطبيقي لملازمة الاتجاه النقدي بالموضوع والقصدية الفاعلة في متن المعنى الحسي، ومجسات الخيال، ومن ثم لإيجاد علاقة واضحة بين الدال والمدلول في ظاهرة التخيل وضبط تلك المشروعية الغائصة في بون اللغة الطبيعية اللامتناهية، والإيضاح الملزم بين الجدولة القصدية الواعية، وبين ذات الموضوع أو الخطاب النصي، والذي يعتبر أهم منصة من منصات تصنيفات المعنى، وصولا لتوضيح شكل البنية العميقة للموضوع، وتنشيط السبيل ألغرضي الجمالي ألقصدي في عملية نمو العلاقة داخل ملامح الخيال، ومن ثم هي في رأينا، محاولة لترميم علاقة الخيال بالمدركات الحسية وهنا علينا توضيح مهمة الجدوى من هذا الترابط بين الحس بالمعنى من جهة، وبين المعنى في متن الموضوع، من جهة أخرى، لنفضي إلى رحبة تكوين العلاقة المتماسكة إلى( معنى المعنى ) وهذا التقصي الحقيقي الاستنباطي لـ ( الظاهراتية ) التي ستدلنا إلى معنى جدلي آخر تبوح به لنا بتودءة تنظيرية تبدو هي مصدر الإشكالية الكبرى، في فهم هذا النمط من أنماط المناهج النقدية الحديثــة، وهو ( معنى المعاني )، الذي يقودنا بالخلاص النهائي إلى المعنى الذي تستخرجه أو تستنبطه عملية النقد من مجمل المعاني، لتعيدها تارة أخرى وبقصدية مشاعة لظاهرة النقد إلى كل المعاني، بمعنى استخلاصي موجز، إن جوهر المعنى يقود النقد إلى جل الاتجاهات، وبذات اللحظة القريبة من درجة صفاء النقد الموضوعي، والاتجاه يقودنا إلى كل المعاني داخل الخطاب النصي.

ولدى البحث والاستقصاء في المناخات الجمالية المعرفية داخل مناهج النقد الظاهراتي حيث وظف مجمل الماهيات والاتجاهات والايعازات الجمالية المتلاحقة بالمواشجة المعرفية عند جماعة النقاد في مدرسـة ( جنيف ) والتي ضمت تحت جنباتها التنظيرية أهم الأسماء النقدية أمثال ( مارسيل ريمون ) و ( جان روسيه ) و ( جورج بولي ) وقد خلصت هذه الجماعة في تحليلاتها معتبرة المنطق، هو مجمل الأعمال التدوينة بتصنيفها هي محض عالم خيالي يحتاج إلى منظومة استقرائية ثانية تعتمد على الأصالة، لأنها تجول بمصنفاتها المختلفة خارج العالم المعاش اليومـي الذي يحسبه وفق الخيـال الذي يسكن ذهن المدون أي( الكاتب) الذي هو بالأصل التشكيلة المعمارية لمخاض وعيه، من خلال التواجد الآني أو التجوالي في مهام الانشغال المعرفي البحت، بشاعريته وفضاء تأسيسا ته المُتخيلة.

ومن خلال هذا الفهم النقدي الذي ذهبنا إليه والذي يجيز للكاتب باعتباره التشكيلة المعمارية الأصيلة لمخاض وعيه الخاص، وهو بالتالي صاحب الامتياز في النفاذ من خلال خياله ومخيلته التأثيثة واعتبار إن المنطق لديه، هو محض خيال استدراكي توقعي لمهام التوصيل الأستدعائي للشخصيات ولثيمته النصية، ومحاولة إضفاء جملة من الاستدلالات الحالمة المتواشجة بقسوة عالية مؤلمة لإظهار ميزة ذلك التطهير والتحريض الآني عبر الخطاب المسرحي.

لذا رأينا بان ( مطرود ) قد استدعى جل مخاصبه التخيلية التدوينية في تأسيس هذا الفضاء ألتدويني، وإفساح الفرصة لذهنه المسرحي الخصب في تأثيث ثيمة نصه المتقد الذي استقى حبكته من خلال اندياح انثيالاته في تأكيد واقعة تنشيط الوعي الحاضر واللاوعي الحاضر، داخل مناشط فضاءاته المأساوية، باشتراط فلسفي آخر يؤدي إلى استحضار الوعي الغائب واللاوعي الغائب إزاء تراتيب معالجاته الدرامية في نصه ( رثاء الفجر ) الذي اجتاز فيه بمهارة فائقة كل تلك المراحل المضنية في تأسيس نص مسرحي منصف، يروي ثيمته من خلال المجد الأكبر للبشرية ( القبر) الذي استحضر ( مطرود ) شخصياته من خلال سديمه الذي رأيته شخصيا سديما جميلا مغلفا بالإبهار الصوري المرئي المُتخيل عبر النص، أو عبر شاعرية لغته الناهضة، معتبرا إيـاه نصا يُرثي جل المآسي الإنسانية الفائتة، وبذات الوقت الذي اعتبره ( مطرود ) الملاذ والباحة الأكبر للبوح الإنساني المأساوي، الذي لا يحاذيه أي رقيب، من أي نوع كان.

ففكرة الاستماع لصوت البوح القادم من أعماق القبر النائية القصية وعلى لسان أجساد نخرتها المأساة وهي حية تعيش على وجه الأرض وفطرت قلوبها ذات المأساة وهي عظام نخره، يلتحفها قبر مغلفا بالألم والقسوة والحب والانتظار، ليحقق ( مطرود ) من خلال هذا الفضاء المسرحي الملحمي تلك المعادلة الناهضة التي تستدعي برأينا أن نقف مليا أولا في حضرة الموتى منصتين لأنينهم وآلامهم وربما لغبطتهم، وان نجعلها ثانية، وصية استقرائية تحريضية يومية، لكي لا نسمح لأحد ٍ في هذا الوجود أن يسرق من مخيلتنا الإنسانية الاخاذه أحلامنا المؤجلة البتة، حتى لا نبقى مجرد كينونات ( حية - ميتة ) تتحرك بلوعة متوجسة داخل قبرنا الرحب الكبير الحياة ذاتها، ولكي لا تعاد الكرة علينا ثانية لنعيش حياة شخصيات ( مطرود ) في نصه المسرحي المحكم ( رثاء الفجر ) ونحكي لأجيالنا القادمة ملهاة مأساتنا ومراثينا الفائتة من خلال القبور، محاولين أن ننسج ذلك الفضاء القاتم من رحم ذات الفجيعة، لكننا حينما نكون منتظرين فجر صباح عيدٍ جديد يطل على هول قبورنا، سوف لن نجد كاتبا مسرحيا كـ ( قاسم مطرود ) كي يدون لنا ثيمتها، بمثل هذه الشاعرية الناهضة، ويُصيغ لنا حبكتها بمثل هذه المَلكة المسرحية الفائقة.

saadiabdalkareem@yahoo.com