|
|
|
||||||||||
|
|
مسرحيون عراقيون يتحدثون: عن واقعهم وراهن مسرحهم أب الفنون
يرفض الموت وأبناؤه في خدمته أبد الدهر تحت ضرب الدبابات وخطر الانفجارات ووسط موت وشيك في كلّ لحظة يخرج المسرحي العراقي مثله مثل كلّ مواطن عراقي من بيته بعد أن يودّع عائلته ويتلو الشهادة فهو لا يدري إن كان الموت سيصيبه اليوم أو غدا أو يتركه فموعده مع المنية ما زال لم يأت بعد.. ورغبة منها في التعرّف على ظروف عيش وعمل المسرحي العراقي الذي اختار أن يخدم فنه في داخل البلد وكذا عن المسرحي العراقي الذي قدّم هو الآخر نصيبا وافرا من الخدمات لأب الفنون العراقي وهو خارج العراق، اقتربت "المساء" في إطار فعاليات المهرجان الوطني للمسرح المحترف التي انتهت مؤخرا من المسرحيين الذين يقطنون بالعراق على غرار عزيز خيون، وعواطف نعيم، ورئيسة دائرة المسرح بوزارة الثقافة إقبال نعيم ومن خارج العراق قاسم مطرود مدير "مسرحيون"، وطرحت عليهم تساؤلاتها فكان هذا الموضوع... قاسم مطرود : "مسرحيون" تربط العراقي بالعالم وهو في بيته ويمكنني القول: بأنّني قدّمت للمسرح العراقي والمسرح العربي الكثير وهذا ليس بفضلي الشخصي، وإنّما استغلالي لثروة المعلومات المتوفّرة لدى الجميع، ويمكنني القول: أنّني محظوظ بعد أن وضعت يدي على المفتاح الحقيقي، أنجزت مجلة "مسرحيون" على الإنترنيت التي استطاعت وبشكل سريع ربط العلاقات بين كلّ الدول العربية وجميع المسرحيين إن كانوا في الوطن العربي أو خارجه، فيوم كان العراقيون يسكنون العراق تحت نظام دكتاتوري وحصار جائر ضمنت لهم المعلومة، ما أن يدخل الكتاب إلى العراق تتلقّفه الأيدي، إلاّ أنّ "مسرحيون" كسرت هذا الطوق واستطاعت أن تصل إلى الكثير من أحبتي وأصدقائي فكانوا يعلمون ويقرؤون ويعرفون بآخر الأحداث هنا وهناك، كنت أكتب لهم عن المسرح في أوروبا وأخبرهم بما يجري في المسرح من عروض، كنت أفتح روابط كثيرة أسميتها مهرجانات مسرحية كانوا يسألونني عن آخر مهرجان لأنّهم يشتغلون بشكل دائم كخلايا النحل ويحبون أن تكون لهم بصمة في المسرح العربي، ويسألونني دائما ما هي آخر المهرجانات ومواعيدها ففتحت لهم رابط اسمه مهرجانات وبإمكانهم الآن بزر واحد أن يعرفوا الكثير عن المهرجان الوطني في الجزائر، من هم المكرّمون؟، من مهم المدعوون؟، ما هي الجلسات النقدية وما هي المحاور؟ ماهو عرض الافتتاح؟ ماهي العروض الأساسية ؟، بمعنى أو بآخر أدخلت المعلومة للمسرحي العراقي وهو جالس في بيته.
لدي مشروعان، عام وهو ربط العلاقة بين المسرح العراقي والعربي وبالعكس ،
وخاص أشتغل فيه لذاتي أنا، فأنا كاتب مسرحي قدّمت للمسرح العراقي أكثر من
25 نصا مسرحيا قدّم أغلبها على المسرح العراقي ومسارح عربية وعالمية،
وترجمت أعمالي إلى لغات كثيرة من بينها الفرنسية، السويدية، العبرية،
الانجليزية والهولندية، أنا الكاتب العراقي الأول الذي تأخذ عنه ثلاثة
دكتوراه وأربعة شهادات ماجستير وهناك دكتوراة في الطريق تحت عنوان "المرأة
في مسرح قاسم مطرود" بالعبرية في جامعة القدس بفلسطين، ونصوصي وتجربتي مدار
بحث دائم في العديد من دول العالم وأعتقد أنّني ابن حقيقي للمسرح والمسرح
العراقي هو الأب والحاضنة الكبرى التي خرجت منها. لست الوحيد من المسرحيين خارج العراق هناك العدد الكبير، هذا السؤال يعودني إلى سنة 2007 عندما قرّر المركز العراقي ودائرة السينما والمسرح تكريم الفنانين العراقيين في يوم المسرح العالمي كرّمت شرائح كبيرة من الروّاد والشباب المسرحيين داخل العراق، وكرّمت المغترب الوحيد من المسرحيين وهو أنا وهذا شرف كبير لي لأنّهم قالوا أنّ قاسم فعل الشيء الكثير للمسرح العراقي وأعطوا درعا كبيرا لأخي الأكبر وفيه شعار "مسرحيون" فأتيحت لي الفرصة وأنا في الخارج لتقديم الكثير وهناك من المسرحيين خارج الوطن قدّموا للمسرح العراقي لكن كل بطريقته الخاصة وحسب المتاح له هناك من قدّم نصا أو نقدا حسب المتاح، أنا والحمد لله أتيحت لي المساحة الأكبر في تقديم ما يجب تقديمه للمسرح العراقي.
عزيز خيون:المسرحي العراقي يشاكس الواقع وينبّه حركة أيّ مثقف عراقي في الداخل ليست سهلة ولمن لديه مشروع بالتأكيد سيعاني كثيرا لوجود أرض ملغومة وعليك أن ترقص فكيف سيكون شكل هذا الرقص؟، لا أدري حقيقة، إلاّ أنّني وبشكل يومي كعادتي أتناول في الصباح ما رزقني به الله وأغادر بيتي بعد التوكّل على الله سبحانه وتعالى في أن ينجيني ويعيدني سالما إلى بيتي، أدخل المسرح الوطني وألتقي بمن أحب من أصدقائي ومن يشاركني العمل، وأحاول أن أجعل الجلسة غير بريئة أي أنّها لا تذهب في الطريق الاستهلاكي وإنّما نحاول من خلال هذه الجلسة التي يجود بها علينا الزمن أن نجعلها مثمرة لأنّنا لا نلتقي بشكل يومي. الظرف الحالي لا يمنحنا ما نحبّ ولا ما نطمح إليه ولا ما نحلم به، الضغوطات مباشرة فقد تحوّلت بغداد من امرأة جميلة مثيرة بجمالها إلى عجوز متعبة، مشاهد الخراب تأتيك من كلّ جانب بالإضافة إلى الشركات الأمنية التي تقتل بلا رادع.. نريد مغادرة المحتل اليوم قبل الغد لكي نجد الصورة لنا نبتكرها كعراقيين، نصفي كلّ الخلافات لكي نفكّر بعراق واحد، مادام هناك طرف آخر له مصلحة في خراب هذا الوطن وبقاء المشكلة على حالها لكي ينفذ سياسيته ستبقى المشكلة عالقة. ومع ذلك، فإنّنا نعاند هذا الواقع ونشاكسه في الكثير من الأحيان في سبيل أن نكون حاضرين وأن نكون شهودا على هذا الزمن لأنّنا اخترنا الداخل والأرض، فأنا شخصيا أؤمن إيمانا كاملا أنّ المسرح العراقي لا ينبت إلاّ على تراب عراقيّ ولا يمكن أن يتنفّس إلاّ هواء عراقيا، لأنّ المسرح كائن بيئي أي يتحدّث بالبيئة سواء عن مشكلاتها، أحلامها طموحها ومعوقاتها، فإذا كنت مسرحيا عراقيا أسأل نفسي:" لمن أتحدّث، ما هي المشكلة التي تشغلني؟" وأجيب:"المشكلة العراقية إذن أنا أحتاج أن أخاطب من يعيش هذه المشكلة وهو الجمهور العراقي، ولأنّني أنتمي إلى مشروع ويشغلني لذلك اخترت الفضاء العراقي بالرغم من وضعه الخاص لأنّ إيماني كامل بأنّ الموت سيأتني في أيّ لحظة وفي أيّ ظرف وفي أيّ مكان، فعليّ أن أتحرّك بما يمنحني الله سبحانه وتعالى من طاقة ومن حيوية وعمر وحلم وإمكانية في التفكير والإنجاز .
نحن نعمل في ظروف صعبة جدا ومع ذلك أنجزنا هذه السنة مسرحية "نساء لوركا"
كتابة وإخراج الدكتورة عواطف نعيم، وتمثيل نساء رائعات تجاوزن الظرف وكلّ
واجباتهن في البيت والأسرة والأولاد فالعراقية المسرحية تعارك ظرفا ولديها
واجب فني وجمالي في أن تقطع مسافات كبيرة وتتجاوز الحواجز والدبابات
الأمريكية والمعيقات لكي تحضر إلى المسرح، وتهدأ في البداية وتتخلّص من
عناء الخارج ومن ثم تهيأ نفسها للعمل المسرحي، إذن أنجزنا "نساء لوركا"
وقدّمناها ببغداد في ظروف صعبة، وكذا في مدن عالمية كبرلين، أمستردام،
قرطاج والعاصمة الجزائر، وأنجزنا عملا آخرا من إنتاج وتقديم المسرح القومي
في دائرة السينما والمسرح التابع لوزارة الثقافة اسمه "دائرة العشق
البغدادية" كتابة وإخراج عواطف نعيم وهو قراءة مغايرة لنص الألماني برشت
تحت عنوان "دائرة الطباشير القوقازية"، وأعطينا فكرة أبعد أنّ الوطن لمن
يحافظ عليه ويسهر عليه لا لمن يتركه ويغادر، أيضا هذه الفكرة حاولنا أن
نعمّقها من خلال هذا العمل وأن نقول أنّ العراق واحد موحّد، وطن الجميع
بعيدا عن كلّ الحروب المفتعلة والسيناريوهات التي جاء بها الأمريكي.
أحاول أيضا أن أشاكس هذا الواقع من خلال "محترف بغداد المسرحي" الذي يعدّ
هاجسا لي منذ أن أسّسته سنة 1998 إلى اللحظة وهو منظمة من منظمات المجتمع
المدني المستقلة وانبثقت عنه بعض الأعمال وهي لهذه السنة" نساء لوركا" و"
الشهد" وعمل جديد اسمه "هوى عراقي" كتابة عواطف نعيم وإخراجي وهناك أكثر من
مشروع لأنّني أشعر أنّه من دون مشروع أنا ميت، لهذا أسأل نفسي ماذا سيكون
المشروع القادم، فمن خلال محترف وأي فضاء آخر نحاول تحريك المفاعل ونعمل
حراكا داخل المجتمع، أمّا عن التمويل فقسم تحصّلت عليه من وزارة الثقافة
وقسم من مؤسسة "المدى للثقافة والفنون" وهي شركة عراقية يقودها أحد
المثقفين العراقيين وأحيانا أتعامل مع الجهات التي لها مصلحة في مغادرة
المحتل أي أنّ هناك بعض الدول تشاطرنا الحلم في أن يغادر المحتل ويترك
العراق للعراقيين. وفي رأيي، المسرح العراقي لكي يكون مسرحا عراقيا حقيقيا خالصا عليه أن ينبع من الجذر العراقي، أن يعاني معاناة العراقيين، أن يكتوي بنيران خوفهم أن يحتمي ويحتموا به، أن يكون معهم وأن يكون صوتهم أن يكون ضميرهم، فكيف لي أن أبدع عملا مسرحيا وأنا بعيدة عن أرض تكتوي يوميا بمحنة ونيران وإرهاب وخوف، وعن وهجه وسخونة جرحه، لم أغادر وفضّلت البقاء، العراق عراقي هو مملكتي وحاضنتي ورحمي الأول عليّ أن أبقيه دافئا وحيا.
وفي هذا السياق لا بدّ للمسرحي العراقي أن يبدع وإن كان يعيش حالات من
الخوف، فإن لم تقتل خوفك قتلك، وإن لم تقاتل من أجل حياتك مت، وعلى المسرحي
والمثقف العراقي وهو الآن تحت ظلّ الاحتلال، أن يناضل ويقاتل من أجل أن
يبقي جذوة المسرح العراقي ووجه الثقافة العراقية مضيئة كي يعلن أنّ العراقي
ما زال كيانا قادرا وواعيا يعي مأساته وقادرا على أن يجد الحلول وقادرا على
أن يفرّج كربة العراق بعون الله تعالى.
بالمقابل، المسرح العراقي كعهده لأنّه نما ونضج في أحضان حركة وطنية مسؤولة
وواعية وهو حتى هذه اللحظة يناضل من أجل حفظ هوية العراق ومن أجل حفظ اسم
العراق تراثا وحضارة ووجودا واستقلالا وسيادة من شماله حتى جنوبه، وما
عروضه هذه إلاّ نبرات احتجاج تتّخذ من الجمال ومن الفكر ومن القدرات الفنية
العالية وسيلتها لكي تعلم الآخر وتشير وتؤشّر وتعلن أنّ العراق حي عبر
إنسانه لن يموت، الفنان يعمل إذن هو موجود، لم يترك ساحته ما زالت اللوحة
جميلة ومازالت الألوان طرية ومازال المسرح يعمل وألوانه مضاءة وما زالت
المطابع تطلع والصحف تكتب والمثقف العراقي صوته عال لن يسكته أي خوف.
الخوف هو واحد من المعوقات الكبيرة للمسرح العراقي ولكنّنا نتغلّب على
الخوف بعشقنا للخشبة وبصلاتنا على هذه الخشبة، كلّ يوم عندما أخرج إلى
المسرح أقول: "ربي أسلمتك روحي ونفسي فإن وصلت سالما إلي بيتي فشكرا لك
أولا وأخيرا"، لأنّ القضية ليست قضية شخص بل قضية وطن وكلّ الأشياء الخاصة
تلغي لأنّها ليست مثالية وإنّما خلقنا هكذا، فالعراق أعطانا الكثير حتى نحن
مدينون له في وجودنا في الجزائر فهذا جزء يسير مما نقدمه، نحن لا نستطيع
حمل السلاح وإنّما نستطيع أن نحارب من أجل عقل نظيف وصاف ومجتهد فالكلمة،
الضوء، الحب والسلام سلاحنا والمسرح هو أيضا سلاحنا. من جهة أخرى نأمل أن تكون بغداد سنة 2009 فاتحة ذراعيها لكلّ العرب حتى يأتوا ويعملوا، لقد وعدني الأخوة الجزائريين مثلما وعدني الأخوة في مهرجان قرطاج بالحضور إلى العراق في حال تأسيسنا لمهرجان عربي وأنا أعلم أنّ الجزائريين ثوّار وأنّ مسرحهم مسرح قضية كما هو المسرح العراقي والتونسي وأنا أثق بهذا الوعد. |
|
|||||||||
![]()