نعم، ما زال فعل الحياة ممكناً

عن مسرحية "عزف على حراك الجمرة"

للمبدع قاسم مطرود

حسين عجة

 

 

     قد تكون عبارة "نعم، ما زال فعل الحياة ممكناً" هي الإيماءة الجوهرية، المكشوفة والضمنية، لمسرحية "الرقص على حركة الجمرة" للفنان العراقي المبدع قاسم مطرود. لا ننوي استباق الأمور ولا إطلاق الأحكام جزافاً، بيد أن ذلك لا يجعلنا نتردد في القول بأن هذا النص، الذي لم نشاهد لعبه من فوق خشبة المسرح، والذي سنتناوله كنص قرائي وحسب، قد فاجئنا بطريقة غير مسبوقة، باعتباره نصاً فلسفيا-شعرياً "موسيقياً، بالمعنى الواسع للمفردة" ومسرحيا من الطراز الأول. سنحاول تبرير ما نقول.

لكن، قبل الدخول في الموضوع وتفاصيله، لا بد لنا من ذكر نقطتين. الأولى شائعة،"معروفة" من قبل الجميع، كما يبدو، ومفادها بأن هناك فوارق كبيرة ما بين المقري والمرئي. لن نخوض في هذه النقطة. ستظل معلقة على ما هي عليه. بالرغم من شكوكنا حول دقتها المطلقة، لاسيما فيما يتعلق بالعمل الذي نحن بخصوصه. النقطة الثانية، تكمن في القول بأن عبارة "نعم، ما زال فعل الحياة ممكناً" لا تنطوي على أي درس أخلاقي، بالمعنى التقليدي للكلمة، أي كإيعاز متأتي من خارج العمل. وإذا ما كانت المسرحية تحمل، أو تنطوي، بالرغم من كل شيء، على نوع من "الإتيكية"، فنسارع من جانبنا للقول : بأنها غير مدفونة في أعماق النص. لكنها تتلألأ على كامل جسده الظاهري : لا شيء مخفي أو حائد عن زاوية النظر. لا في حركات الشخوص، إشاراتهم، لعبهم وكلماتهم، ولا في مضامين لغة الكاتب أو ملاحظات المخرج : لعبة النص تمنح نفسها بحرية وبكاملها للقارىء. لنذهب أبعد من ذلك : تمنح المسرحية نفسها بحرية وبكاملها، محاطة بنور وشفافية قد لا تتحملها عين ذلك القارىء. ولا حتى أذنه : لعبة محضة وموسيقى خالصة. من هنا، قد تتولد صعوبة الربط ما بينها وبين الفلسفة، وكذلك الشعر : أيقونة، تمتزج فيها كل تلك الإبعاد، لكن بإيقاع ودوزنة لا تترك فتات يسقط على المائدة.

في الصفحات التالية، نمنع أنفسنا من تلخيص "مضمون" المسرحية، المكثفة بطبيعتها إلى أقصى حدود اقتصاد المفردات، أو، أفضل من الاقتصاد، المحبوكة بخيوط الغبطة والزهد. ومع ذلك، لا ينبغي علينا، من ناحيتنا، ترك أي أثر قد يسعى لجعل النص مُلغزاً، تدثيره بمجازات واستعارات لا تنتمي لروحه. حينئذ نقول، المسرحية "تتحدث" عن اللقاء؛ لا نقول "موضوع" اللقاء، بل اللقاء ذاته. أو، ثانية، وأكثر بساطة، عن لقاء رجل بامرأة. لكن أي رجل؟ أية امرأة؟

الرجل والمرأة لهما من العمر سبعين عاماً، أو أكثر بقليل. وما نوعية ذلك اللقاء؟ لقاء الصدفة، الذي يأتي بفعل يجعل الحياة ذاتها ليست ممكنة ثانية وحسب، بل تتجدد في كل لحظة. كيف هذا، وكيف يمكن تسميته؟ لقاء حبي، ببساطة. وما الغرابة في هذا، ضمن عالم مفتوح ظاهرياً كعالمنا، وإن كان معتماً في عزلته؟ لا غرابة، إذاً، بما يجعل الحياة لعبة ممكنة، وإلى ما لا نهاية؟ عندما نقول، مثلاً، بأن القطار قد توقف، ما عاد يتحرك، تفكك محركه، تهرأت مقاعده، تعطلت إطاراته، ثم تأتي الصدفة لوحدها، لتعيده لفتوته، وليس فقط لزمانه الأولي، أليس ثمة ما هو محير في الأمر؟ وما الذي سنقوله، إذا ما عرفنا بأن فتوة القطار، قطار العمر، قد عادت بجوهرها بفضل لعبة قطار آخر؟ من نوع قطارات البلاستيك التي يلعب ويتسلى بها الأطفال. فيما يُحرمْ البالغون على أنفسهم الاقتراب من لعبة كهذه، خشية أن تنهد أسوار معتقلاتهم الذاتية.

وما علاقة الفلسفة بهذا، من أين تأتى لنا، إذاً، وهم إقحامها على نص مسرحي، شفاف ومكتفي بمياهه العذبة؟ إجابة أولى، لكننا لن نكف عن تحويرها : ليس ثمة من فلسفة بدون لقاء. كذلك نعرف بأن الفلسفة تؤكد، في الحقيقة، على نوعين من اللقاء : لقاء سوء التفاهم، ولقاء الحب.

يحدث لقاء سوء التفاهم، المتعمد في الغالب، عندما يتواجه خطابان لا علاقة أبداً لواحد منهما بالآخر. يمكن تسمية هذا اللقاء بالعنف أيضاً. شاهدنا المحبذ عند هذه النقطة، حوارات سقراط.

لا شيء من هذا القبيل تتضمنه مسرحية قاسم  مطرود. لا سوء تفاهم، ولا غلط بالفهم. يبقى

لدينا، إذاً، لقاء الحب. نعم، لكن من أين يتولد؟ كيف يحدث ولمن؟ أين يحصل؟ كل لقاء حبي

هو ثمرة لصدفة مباغتة. أو غير محسوبة، لا متوقعة، ولا يمكن حتى تخيلها، إذا ما ظلت أطراف اللقاء "الرجل والمرأة" خاضعة لقوانين، أو حالة الموقف. الصدفة، اسم اللقاء الحبي، هي من يقحم نفسه ويحور أو يلغي حالة الموقف. لكن هذا هو أول ما نلتقي به في مسرحية قاسم مطرود! "تأتي امرأة في السبعين من عمرها، لتسكن شقة في بناية أخرى غير تلك التي كانت تقيم فيها سابقاً. في ذات البناية يعيش رجل في عزلته، سبعيني في العمر هو الآخر. يصادف الرجل المرأة في أحدى طوابق البناية ثم يدعوها؛ شيء غريب، لتناول فنجان قهوة، تحت ذريعة تقاليد البناية. تقبل المرأة. يشرع لقاء الحب، تنبثق إمكانية إعادة خلق العوالم، انطلاق الحياة مجدداً.أو حياة أخرى، هذه المرة في جوهرها : لعبة، أو كلعبة، حية دائماً، كانت قد رضخت لحالة الموقف. استسلمت لقوانين البنية. وها أن الرجل، أو المرأة، أو كلاهما، قد تدخل وكسر جمود، روتين، تعفن حالة البنية، تلك التي جعلتهما عاجزين لزمن طويل عن التحرك". لقاء حبي، في المسرح والفلسفة. وكلاهما قائم بوضوح في نص المبدع مطرود. نحن لا نقحم شيئاً، إذاً، على النص. لكن، هل أصبح الأمر أكثر وضوحاً؟ تقريباً. هناك المزيد : لا تغير الصدفة، أو لقاء الحب، حالة الموقف وحدها، بل وأيضاً لغة الموقف اليومية ودائرة معارفه الشائعة. ينبغي القول كذلك بأن مسرحية قاسم مطرود لا يتقاسمها سوى تلك المرأة وهذا الرجل. ليست هناك من شخوص إضافية. غير أنها تحتوي على بعض الأشياء البسيطة، المختزلة حتى. والتي لا نلامسها أو نتعرف عليها إلا في شقة الرجل. كلعبة القطار البلاستيكية، لعبة الأطفال تلك التي تحدثنا عنها عرضاً، فيما هي تحتل موقعاً متميزاً في حياة ذلك الرجل، إلى جانب آلة موسيقية، بيانو؛ كل ما في شقته وحياته. لا ندري ما الذي عند المرأة. بيد أن هذا لا أهمية له. ما دامت لعبة القطار والبيانو، أو، في الحقيقية، دروسه المتخيلة قد أصبحت هي ذاتها لغة الاثنين، الرجل والمرأة، الشائخين، ومن ثم تراجعت لغة الموقف بمفرداتها المكبلة، لتفسح المجال لإبداع من طراز آخر : لن تعبر الشخصيتان عن نفسيهما وعوالمهما، من الآن فصاعداً، سوى بلغة الأغاني العفوية، أو بجعل الكراسي تصير درجات هوائية. ما معنى هذا؟ تلك هي المشكلة. في لعبة الحياة، أو لعبة تغيير العوالم، لم ترجح دائماً كفة المعنى على بهاء اللعبة؟ على كفة الوجود والأحياء؟ ألا يمكن أن يكون المعنى هو الموت؟ أو أن هذا الأخير يستعير قناع الأول؟ ذلك ما تطرحه المسرحية بقوة وغنائية لا تضارعان.

لكن، قبل أن نقوم بالخطوة اللاحقة، علينا القول بأن شاعرية "الرقص على حركة الجمرة"، يمكن العثور عليها عند هذه النقطة : نقطة تبديل مفردات الواقع، المفروض والمموضع، بحركات، بكلمات، وبألعاب المخيلة المبدعة. ما الذي نجده في مسرحية مطرود غير ذلك؟ لكن، إذا كانت المخيلة المبدعة، بفضل لقاء الحب، كواقعة، قادرة فعلاً على إعادة تركيب أو تشكيل الحاضر، ما الذي يمكنها أن تفعله حيال الماضي، الذاكرة، فهذه الأخير ليست لعبة، ولا تقبل أن تكون كذلك؟

نعم، في نصنا المسرحي القضية مطروحة أيضاً.

لكننا ننسى، في الغالب، كيف يُطرح همّ الذاكرة، ملابسات الماضي، ومنْ يطرحها. إذا ما طرحت هموم الذاكرة في الزمن الحاضر باعتبار هذا الأخير مقبوضاً عليه من ديمومة الماضي كماضي، أي من دون تدخل معجزة الصدفة، أو خلوه من لعبة المخيلة المبدعة، لن يكون هناك شيئاً آخر غير أشباح الماضي، تنتفي كل رغبة في الولادة ثانية؛ والمكان ذاته يعرض نفسه كعري مرعب؛ "لا أحد في المكان سوى المكان". في حالة كهذه، يغدو المكان مجالاً لإقصاء الذوات. زمان الماضي، الذاكرة، وكذلك حضور المكان الفارغ، يقصيان عنهما كل إمكانية ولو عابرة للواقعة، أي للقاء الحبي. غير أن نص "الرقص على حركة الجمرة" كان قد شرع، منذ البداية، باتخاذ اتجاه آخر. الاتجاه المعاكس والمغاير تماماً : لا تنطلق مسرحية قاسم مطرود لا من الماضي كماضي، ولا من الحاضر كحاضر. تنطلق من الحاضر المحور. وعبر هذا التحوير يتم قبول، كل تفاصيل الماضي، وحتى أشدها حزناً . تلك التي جمدت روح الحاضر في الماضي، في الذاكرة، مستودع الألم. لكنك تتحدث عن التحوير، وكأن هذا الأخير لا يعيدنا إلى موضوعة العنف؟ لكن أية رقة في تقديم رجل السبعين نفسه لتلك المرأة؟ جارته التي لا يعرف شيئاً عنها ولا عن مخزون عذاباتها في الماضي. ولا هي تعرف عنه شيئاً أيضاً. ومع ذلك، تنزلق الصور والحوارات وكأنها تنزلق في بحيرة الحلم وألوانه الجميلة، المتألقة. في الحقيقة، الكشف الذي يقوم به هذا اللقاء لا يختلف أبداً عن الرغبة في الرسم، أو التمثيل؛ رسم الشخصيتين بألوان فاتحة، بظلال خفيفة، غير تلك التي خطتها ذكريات الأموات؛ وتمثيل حياتهما الآن، في الحاضر، كرجل وامرأة وقد تحررا من أسر شخصيتهما الواقعية، السجينة ضمن تداعيات الأنا المتبلدة. ما هو الممثل، إن لم يكن تلك النقلة؟ امرأة ورجل قاسم مطرود يتمتعان بقدرة خارقة في أن لا يكونا نفسيهما : المرأة تتحدث عن نفسها "كأوفليا"، بطلة شكسبير تارة، وتارة أخرى كتلميذة تتلقى دروساً في البيانو. ليس هذا وحسب، تتحدث عن نفسها باعتبارها واحدة أخرى، صديقة لها ترغب في تعلم اللعب على تلك الآلة. وهكذا لا تكف عن مضاعفة الأدوار، لنفسها وللغير أيضاً. فهي عندما تتحدث عن زوجها السابق، الراحل، صاحب المعجبات الكثيرات والتي تتظاهر بالغيرة منهن؛ تتحدث عنه باعتباره هاملتاً. هاملت آخر،غير هذا الـ "هملت" الذي ستشرع معه بحكاية غرام جديدة. ولا تقل براعتها بتغيير، أو اللعب بالأحرى على أبعاد الزمن منها عن لعبها مع الشخوص : اليوم يصير قبل الأمس، الغد يصبح قبل ساعات، والمستقبل نفسه معاشاً في الحاضر. ما هو الممثل، إن لم يكن مجموع تلك التحولات بالإضافة إلى شيء آخر : نفسه التي لا يملك إلا أن يلعبها دائماً، ويلعبها أفضل كلما تضاعفت الأدوار والشخوص؟ في ضوء ما ذكرناه، يمكننا القول بأن الرقص على حركة الجمرة" هو نص الممثل كممثل. أيضاً. إذ لا شيء في هذه المسرحية غير الممثل، أو أن ذلك النص مهدا له، في المقام الأول. لكن من ذلك الممثل ستظهر كل الأقنعة، تولد جميع العوالم؛ الشعر والفلسفة والموسيقى، فهو وحده ذلك المجال الفارغ الرحب الذي فيه تلتقي وتلجأ إلية كل الشخوص والحوارات. كذلك يمكن قول ما يبدو ظاهرياً العكس : لتوفر نصاً مسرحياً، بشخوصه وإنارته وموسيقاه، وشيء من الفلسفة والشعر، ولا تنسى الرسم، ونحن سنسمي هذا المزيج المتناغم، نيابة عنك "بالممثل" : لا يمكن، من وجهة نظرنا، تأدية دوري الشخصيتين في مسرحية  "عزف على حراك الجمر" إلا من قبل ممثلين كبار. ناقعين بخل وملح التجربة والمخيلة، لا بزيف المهنة.

غير أن كل ذلك لا ينبغي عليه تسليمنا إلى الخدع والوهم : خداع التمييز ما بين نص للكاتب وآخر للمخرج، وثالث للممثل. في مثل هذا العمل، نقصد عمل مطرود الاستثنائي، تلتقي وتتعانق كل تلك النصوص لتبدع عالماً من الحداثة والعصرية، يمتلك الجرأة في أن يكون مفصلاً على مقاسات الحياة ذاتها. كفعل لخلق الممكنات التي لا تكل ولا تتعب، ضد ما تقرره حالة الموقف من شيخوخة أو موت.

" عزف على حراك الجمر " إشارة الانطلاق. ينبغي اغتنام فرصة قراءة النص.