|
هدوء قاسم مطرود
هدوء الإبداع المسرحي
جاسم المطير
ما طالعت نصا
لقاسم مطرود ولا شاهدت عملا من إخراجه حين كنت في بغداد، لكنني استطعت إلى
ذلك سبيلا حين تعرفت عليه في المنفى الهولندي، وهو يحاكي واقع معاناة
شعبنا في بعض نصوصه على المسرح الهولندي وفي بعض كتاباته الإبداعية
والنقدية في صحف العراقيين في المنفى.
أهم الأشياء في
إبداع هذا الشاب المسرحي انه مؤهل لمواجهة العالم المسرحي الشديد التعقيد
في مرحلة وجوده بالمنفى حيث تغيرت عنده وعند العراقيين المنفيين معارف
الحياة في بلد رأسمالي منفتح فأوجد، بسرعة وبنوع من الإبصار الثقافي،
كاتدرائية مسرحية في لاهاي اسمها “موقع مسرحيون " على شبكة الإنترنت. يحضر
الصلاة فيها كل أسبوع عدد كبير من المسرحيين العراقيين والعرب لا ليصلوا
على جنازات مسرح ميت، بل ليشعلوا شموعا فيها غضب وإصرار القدرة على الكشف
والخلق والابتكار و فيها حساب نقدي عسير لواقع المسرح العراقي أولا ولبعض
وقائع المسرح العربي أيضا فصار موقعه " مسرحيون “منارة دعاية في أكثر
الظروف حلكة وصعوبة تواجه المسرح العراقي، وليكون الموقع دعوة عامة لمواجهة
التحديات المسرحية لمشاهدة العديد من المخلوقات المسرحية العربية تحاسب
نفسها وتحاسب الآخر لكي تسهم في تطوير الكتاب المسرحي المسطر بكثير من
المصاعب والأزمات بعوامل خفية في داخلها وشقية في علاقتها مع السلطات
الحاكمة بمؤسساتها المختلفة في العراق وفي البلدان العربية كلها.
المسرحيون يهمسون
في عادتهم ومنذ عقود عديدة بالرموز خوفا من الروح الشريرة في أعماق وزارات
الثقافة والأعلام العربية،
يغضبون بهدوء،
وينفخون الصور
بهدوء،
ويهزون قبور
الشهداء بهدوء،
ويغنون ليمزقوا
نياط قلوب السامعين والمشاهدين بهدوء.
هذه وغيرها من
العلامات والرموز صارت في ضمير قاسم مطرود شكلا إبداعيا شديد الإلحاح في
اغلب كتاباته المسرحية، مثلما هي رؤيته للعالم.
أول نص مسرحي
قرأته له كان عنوانه “ للروح نوافذ أخرى “ فيها مواجهة رمزية لبيئة إنسانية
صعبة معتمداً على فكر تأملي حساس كان يدين فيه الروح الخبيثة في قوى
الظالمين ويؤنبها ويؤنب عاداتها واتجاهاتها ومواقفها.
وفي نصه الآخر “
الجرافات لا تعرف الحزن “ أدان ما تحمله أنظمة طاغية في أحشائها من أجنة
الخطايا.
منهما،كبيرتان قام
بها قاسم مطرود في هذين النصين بكلام يقرب من الصور الشعبية فيها ربط بين
السخرية والميلودراما يعلن فيهما مجيء الأمل للناس بعد أن تزمجر الريح في
جانب من حياتهم حتى ولو كان ذلك عن طريق الحلم كما في مسرحية الجرافات أو
عن طريق السحر كما في مسرحية النوافذ.
منهما ، من السحر
والحلم ، ركب السيد فوزي سعيدي ، طالب رسالة الماجستير ، مكانس الجرافات
وبعربة الروح التي لها نوافذ أخرى لينال الدبلوم العالي من كلية الآداب
والعلوم الإنسانية في جامعة المولى إسماعيل بمكناس في المملكة المغربية .
كان اختيار الطالب
للنصوص التي كتبها قاسم مطرود موفقا إلى حد ما لكنه من ناحية أخرى وضع نفسه
في طريق واسع وطويل لا يخلو من أشواك تخز ومن مكانس تخدش كانت تقوده إلى
حركة فيها زحام الإبكار والانطباعات والتأثيرات عن هوية النظام الحاكم في
العراق الذي انطفئ ضوءه إلى الأبد في التاسع من نيسان 2003.. ففي الفصل
الثاني من أطروحته أوقع الطالب فوزي سعيد نفسه في النزق الذي وقع فيه
الكثير من المثقفين العرب حين يستعينون بالعلق القومي والعلق العروبي خصوصا
متصورين أن نظام حزب البعث العربي الاشتراكي بقيادة صدام حسين إنما هو حفل
زفاف القومية العربية ليلة السابع عشر من تموز 1968 وقد كرس الطالب وقتا
طويلا من بحثه عن ( الرؤية الواقعية في المسرح العراقي الحديث / قاسم مطرود
نموذجا ) وفي الفصل الثاني من البحث تحديدا.
أوجد في مقدمة
التحليل السياسي مشاهد خيالية عن النظام ألبعثي الذي حكم العراق 35 عاما،
معتقدا كما في ص 25 من أطروحته إن ثقافة حزب البعث هي ثقافة رافضة للانغلاق
والتقوقع معبرة عن موقفها هذا من خلال قدرة عالية على الحوار والتفاعل
المستند إلى موقف نقدي واع مع التيارات الثقافية المعاصرة على تشعبها
وتنوعها
كان الطالب فوزي
سعيدي يحتفل مع نفسه حول استلهام أفكاره عن حكم البعث وعن فكر البعث وعن
فنون البعث ورغم انه كتب أطروحته بعد سقوط نظام حزب البعث في العراق.
إن معاناة الكتاب
المسرحيين في العراق خلال أربعة عقود من حكم حزب البعث ــ ومنهم قاسم مطرود
ــ كانت بالأساس معاناة عدم القدرة على معالجة قضايا الإنسان العراقي في جو
دكتاتوري غاشم لا يحس معه الكاتب بأي أمان وثقة بقبول " الآخر " بل يحس أن
" الآخر المتسلط " سيلجأ إلى العنف أو إلى وضع الكاتب في زنزانة السجن على
أقل احتمال.
في دائرة هذه
المعادلة كان الكتاب العراقيون عموما ومنهم الكتاب المسرحيون يجدون أنفسهم
غير قادرين على المواجهة والرؤية في ظلام نظام حزب البعث فما كان عليهم غير
مغادرة الوطن حيث النظام المتوحش إلى المنفى الأوربي حيث البداية من داخل
مجتمع مضيء بشمس الحرية.
الإنترنت.اسم
مطرود في كتابة نصوصه المسرحية العديدة في المنفى الهولندي بعد خروجه من
الدائرة العراقية البعثية المظلمة إلى موقع صغير، في شقة صغيرة، بمدينة
لاهاي كي يستطيع ممارسة الإبداع بحرية وبنوع من الرهان الأساسي في بناء أسس
الإعلام المسرحي العراقي بالوسيلة الحضارية الجديدة.. الإنترنت .
* * * * * * * * *
*
بصرة لاهاي في
7- 2 - 2006
|