|

لكي يكون الممثل محترفاً وليس مقدساً بحسب كروتوفسكي ..
قاسم مطرود: علي الممثل أن يديم الجانب المعرفي في داخله
لقاء:
علي القميش
قال الفنان والمخرج المسرحي العراقي قاسم مطرود إن بنية الشخصية العربية،
في الكثير من البلدان تكاد تكون ممسوخة بسبب التعسف الذي تستخدمه أنظمتها
ضدها، فهم يتلقون والإهانات وعدم بناء الذات من الصفوف الأولي يتعلمون
الخوف وعدم الجرأة في الطرح والابتعاد عن البوح أو الاقتراب من ظل الحقيقة،
وهذا انسحب بالتأكيد علي شخصية الممثل الذي هو إنسان تربي في مثل هكذا
مجتمعات، وهذا ليس تبريرا لما يقوم به من تهميش لدوره الإنساني، وإنما هو
مجرد تسليط بعض الضوء علي جانب من المشكلة.
جاء ذلك خلال لقاء (رؤي) معه ورداً علي سؤال (رؤي) له عن وجود خلل في
المكون الثقافي الأساسي لشخصية الممثل المسرحي العربي، وما الذي يحتاجه
الممثل في بناء شخصيته المسرحية؟ وكيف له أن يؤسسها بشكل علمي بعيداً عن
حالة الارتجال السائدة في كثير من مسارحنا العربية.
قاسم مطرود: بدا أنا ضد التعميم في إصدار الحكم علي الأشياء، ولكني سأساير
هذا الافتراض باعتبار وجود خلل في المكون الثقافي في شخصية الممثل في وطننا
العربي. فان وجد هذا اللاتوافق في الأداء التمثيلي في قاعدة عريضة لدي
ممثلينا العرب، فيمكننا إيعازه إلي الكثير من المسببات. ومنها الأرضية التي
ينطلق منها هذا الفنان الإنسان الممثل، وما هي نظرته إلي ذلك الفن، الذي
نفترضه بالسمو، وتصوراته إلي ماهية فن المسرح، وقدرته علي التفاعل الحقيقي
مع المتلقي، والتمثيل هو أصعب واهم أداة ذلك الفن لقدرتها علي التأثير
وإيصال ما اتفق عليه مع جمع من المشتغلين في العرض المسرحي.
أتذكر حوارا دار بيني وبين زميلا لي عندما كنا ندرس الفن قبل أكثر من عشرين
عاما وقلت له حينها.. إن لم تحترم الفنان في داخلك وتعدّه إلي المستقبل
فانه سيخونك في منتصف الطريق وبالفعل تحول ذلك الزميل إلي ممثل مشهور من
المسرح التجاري هكذا نسميه في العراق أو المسرح الهابط الذي يفسح المجال
للتهريج والتجاوز علي النص والمتفرج وعلي كل شيء.
إذا فالمعني الأول هو ذلك الإنسان الفنان الذي نربيه داخلنا، وكيف نعدّه
وبماذا نوعده، وما هي أحلامه الكبيرة، وعلي هذا يترتب الكثير وتستحدث
مسؤوليات جسام. فان حمل الإنسان ممثلا في داخله أو كاتبا أو مخرجا، فستترتب
عليه الكثير من الواجبات التي لا بد منها، وأولها: أن يعدّه إعدادا يليق
بسطوة الكلمة وسحر المعني، ولهذا صدرت العديد من الكتب والتي تهتم ببناء
الممثل وأهمها الكتاب الذي حمل نفس العنوان الذي نؤكد عليه ألا وهو إعداد
الممثل وان تطرقت جميع هذه الكتب إلي تقنية الأداء التمثيلي وكيفية التحكم
بالصوت والجسد ومخارج الحروف وكيفية الإلقاء.
وما اعنيه هنا هو الشعور بأهمية ذلك الصوت الذي يرن داخل القاعة الصامتة
والتي تكتظ بآلاف المتفرجين. ربما هنالك رادع حكومي أو قانوني يستطيع منع
الممثل من الإسفاف أو التهريج، ولكن النفس هي التي عليها أن تصرخ دائما
وتوقفه عند الفواصل الحقة في مجريات الحياة الإنسانية والفنية. ويمكنني أن
اجتر سببا آخر وقد يكون له التأثير الواضح علي تلك الشريحة التي يختل فيها
المعيار الثقافي ويحط من أدائها. إنها بنية الشخصية العربية، في الكثير من
البلدان تكاد تكون ممسوخة بسبب التعسف الذي تستخدمه أنظمتها ضدها، فهم
يتلقون الإهانات وعدم بناء ألذات من الصفوف الأولي يتعلمون الخوف وعدم
الجرأة في الطرح والابتعاد عن البوح أو الاقتراب من ظل الحقيقة، وهذا انسحب
بالتأكيد علي شخصية الممثل الذي هو إنسان تربي في مثل هكذا مجتمعات، وهذا
ليس تبريرا لما يقوم به من تهميش لدوره الإنساني، وإنما هو مجرد تسليط بعض
الضوء علي جانب من المشكلة. وعلي الفنان الذي حرفه هذا التيار أن يتذكر انه
إنسان وله دوره الإنساني والإبداعي عبر هذه الحقبة التي يقضيا في دنياه،
وبالنسبة إلي فان كلمة فنان تعني الكثير.
*
وحين سألناه عن الفارق بين ممثل هاوي وممثل محترف، وهل يوجد لدينا ممثل
محترف بمعني الكلمة ؟ خصوصاً وإن الممثل المحترف يُخضع نفسه لبرامج إعدادية
شاقة من حيث البناء المعرفي والفكري والجسدي في آن، قال:
قاسم مطرود : هذا سؤال رائع لأنه وبالفعل يدعم ما قلناه في السؤال الأول،
يقينا هناك ممثل هاوي وآخر محترف، ويقينا أيضا لدينا ممثلين محترفين ساحرين
علي خشبة المسرح واكرر قولي علي خشبة المسرح وليس التلفاز.
وهؤلاء وكما ورد في سؤالك خضعوا حتما إلي برامج تدريبية شاقة من حيث تقنية
الأداء. بل والذي يجب أن يسبق هذا كله، ولكي يكون ممثلا محترفا ولا نقول
ممثلا مقدسا حسب تقسيمات كروتوفسكي أن يديم الجانب المعرفي في داخله وان
يكون شغوفا بدراسة اكبر واصغر الأشياء إذ لا يعرف متي تأتي تلك الحالة التي
يمر عليها الآن مرور العابرين وإذ به مجبرا علي تجسيدها ذات يوم علي خشبة
المسرح.
وان يكون صاحب موقف ولا اعني بالموقف السياسي أو الديني، وأنا من المؤمنين
بالمتغير والفنان الجاد والممثل المحترف متطور كل يوم بل كل ساعة طالما
لديه عين ثالثة يرقب فيها نبض العالم. ولكن الموقف هنا هو ما يريد قوله هو
وما يؤمن به في هذا الوقت علي اقل تقدير، شريطة أن يوفر للمتفرج القناعات
التي نفترض أنها توفرت لديه مسبقا. المؤسف أيضا أننا إذا أقمنا إحصاءات علي
بلداننا العربية كي نعرف نسبة الممثلين المحترفين في هذا البلد أو ذاك،
وإذا توقفنا وسألنا
-
لماذا............؟
ستبرز لنا أهم الأسباب وهي أن هذا البلد له تقاليد مسرحية ومهرجانات مهمة
وليست دعائية. ونقف ونقول لماذا ذاك البلد فيه الكثير من الهواة والتهريج
وسنعرف وبسرعة أيضا أنه مازال يعتبر المسرح بدعة وان التمثيل حرام أو معيب
فكيف لبلد له طروحات كالذي أسلفنا وينتج ممثل محترف وثقافة مسرحية.
وعن الذين يتحدثون عن غياب مفهوم المسرح المؤسسة- وهم كثر في الوسط الثقافي
والمسرحي عربياً- بمعني إن المسارح الأهلية تعتمد الارتجال والعشوائية في
خططها وتتعامل مع الأمور التأهيلة مثلاً - اقصد هنا تأهيل الممثل بشكل يضمن
له حق الاستمرارية علي خشبة المسرح - علي أنها جزء هامشي لا قيمة له، أجاب
:
قاسم مطرود: يمكننا التحدث عن الممثل والمخرج والمؤلف والسينوغرافيا
والكثير مما يحتويه العرض المسرحي إلا أن حديثنا لا يتعدي تجارب أشخاص
أبدعوا في الحقل الذي اشتغلوا فيه، وتركوا بصماتهم وإذا وصلنا بالحديث عن
فعل مؤسساتي فسيكون حديثنا معاقاً وخالي من المعني وهذه مشكلتنا كعرب، ليس
في الفن المسرحي فحسب بل في جميع الميادين، لا نعرف أن نؤسس ونبني علي ما
سبق أو نبني لغير عصرنا ميزتنا، نهد الذي بناه الأجداد ونعزم علي بناء جديد
وقبل الاكتمال يأتي الجيل الجديد بمعاوله ليهد ما بنيناه، وهكذا، لذا فأن
العقل المؤسساتي فعل غائب في وجودنا الحضاري.
هنا في هولندا مثلاً اتفقت معي مخرجة هولندية لإخراج نصاً من نصوصي وقبل أن
تبدأ بالتمارين المسرحية أبلغتني بمكان وزمان العرض.
كما يمكنني أن احجز بطاقة لأي مسرحية أريد مشاهدتها بعد عام بمجرد الاتصال
بمسرح المؤسسة وأقول لهم في عام 2006،الشهر التاسع اليوم الأربعاءـ الساعة
السابعةـ مساء أريد بطاقة أو بطاقتين فأحصل علي ما أريد إذا كان هناك عرض
في اليوم المذكور. والذي اعنيه من هذه المقارنة هناك تنظيم للأشياء ولم يأت
هذا التنظيم لو لم يكن هنالك بناء دائم جيل بعد جيل، وتعمدت ذات مرة أن
اسأل ومن باب الفضول العلمي قلت لهم: قبل ثلاثين عام هل كان هذا التنظيم
موجود في مسارحكم ... والإجابة..بنعم . هناك فرق مسرحية ومسارح ومبدعين
يكمل احدهم الأخر ومن هذا السياق ينبع الفعل المؤسساتي الإبداعي، ومن تحدث
عن غياب هذا المفهوم عن مسرحنا العربي أقول: الحق معه مما أتاح الفرصة
للطارئين والمتطفلين علي قدسية الكلمة، أن يحتلوا خشبة المسرح ويعبثون بها
كما داس الجنود الغزاة حقول الزهور.
نحن بحاجة إلي اعتراف، علي السلطة أن تعترف بأهمية المسرح وحاجته الماسة
لإنماء الشعوب وعلي المؤسسات الداعمة أن تديم هذا النشاط وعلي المتفرج أن
يولي هذا الفن اهتمامه. وقبل اعترف الآخرين علينا نحن أولا الاعتراف
بأنفسنا وقيمة ذلك الفن وأهميته وسلطته علي الآخرين.
|