|
مبدعون يسكنهم الوطن
قاسم مطرود نموذجا
الاستفزاز قاعدة الإبداع
رحاب الهندي

نحرص على إلقاء الضوء على مبدعينا في مجالات الفن الذين غادروا الوطن ولم
يغادرهم لأكثر من سبب، وفي منفاهم أسسوا لعالم إبداعي عراقي متواصل مع
الوطن الأم ليسهموا من خلال إبداعاتهم بتثبيت قاعدة الإبداع العراقي العربي
في العالم الغربي ليتواصلوا إنسانيا مع المجتمعات الأخرى ولإثبات إن
الإبداع هو عالم إنساني قبل كل شيء. وان كان من سيئات الصحافة إنها وصفت من
هب ودب وأصبغت عليه صفة الفنان والمبدع إلا أننا ارتأينا تأكيد هوية خاصة
لكل فنان أصيل صهره الإبداع في بوتقته فكان خلاقا مبدعا عاملا لآليات
الإبداع الحقيقية وليس مبدعا بجرة قلم!
تعريف الإبداع:
في مقالة تبحث عن عالم الإبداع للدكتور حسين سرمك يعرف الإبداع بقوله: تكاد
تتفق تعريفات علماء النفس للعمل الإبداعي بأنه ثمرة جهد إنساني يتسم بجدة
واصالة وفائدة تحقق قبول المجتمع لذلك النتاج ألابتكاري مستنتجا لقول قاسم
حسين صالح: بان الإبداع عملية عقلية تعتمد على القدرات تتميز بعدد من
الخصائص أهمها: الحساسية للمشكلات، الطلاقة، الأصالة، الجدة، التفرد،
المرونة، والإبداع الفني هو نتاج ميادين الموسيقى، الأدب، الشعر، الرواية
القصة، الفنون التشكيلية، المسرح، السينما.
وتأكيدا لهذا التعريف نكتشف إن كثيراً من المبدعين قدموا لنا انتاجات أثارت
دهشتنا وإعجابنا وتصفيقنا منهم الفنان المبدع المسرحي قاسم مطرود وهو من
مدينة الثورة تلك المدينة (العاقر التي ولدت أحرارا).
أذهلت قاسم من طفولته عملية الإلقاء الشعري التي كان يهتم بها الأساتذة
وقدرة التلاميذ الصغار على مزج الإلقاء بالتعبير الحركي والانفعالي فعشق
عالم الأداء لينضم إلى فرقة (مسرح الرفض) مع مجموعة ممن اختاروا عالم الأدب
منهجا لهم كحميد المختار وعباس جادر ونصيف جاسم ثم تحولت الفرقة إلى ما
يسمى بمسرح المدينة. يقول مطرود عن تلك الفترة من حياته: (انه أفاد من تضاد
الآراء ما بين الأحزاب الدينية، والحزب الشيوعي والمجالس الرياضية،
والاختلاف والصراعات ما بينها استقى من كل هذا التضاد ما يصقل شخصيته ويحمل
في دواخله كل ما يثير الآخرين من استفزاز للفكر والذائقة والثقافة، تخرج من
أكاديمية الفنون عام 1998 قسم الإخراج وغادر الوطن في نفس العام ليتابع
دراسته المسرحية في أكاديمية هلفرسم الهولندية ويحصل من خلالها على شهادة
الدبلوم في مجال إعداد البرامج التلفازية وتقييمها وإخراجها!.
لم تمنعه دراسته من تقديم أعماله المسرحية الإبداعية تأليفا وإخراجا فقدم
مسرحيات عديدة منها: (طقوس وحشية) (للروح نوافذ أخرى)، (رثاء الفجر) (
الجرافات لا تعرف الحزن) وقد ترجمت أعماله للغة الهولندية، أسس صحيفة
اليكترونية بعنوان (مسرحيون) وهو مؤسس لرابطة نقاد المسرح والبرلمان
الثقافي العراقي في هولندا.
يتحدث مطرود عن النص المسرحي كونه البناء الأساسي للعمل وهو قاعدة متينة
يؤسس فوقها كل متطلبات العمل المسرحي الأخرى يؤكد على قضية الاستفزاز
فيعتبر أن النص الإبداعي هو الذي يستفز المخرج ويحمله إلى آفاق مرتبة وغير
مرئية كما يستفز الممثل وبقية العاملين ليستفز في النهاية المتلقي.
أذن يحصر مطرود عملية الإبداع النصي لاستفزاز الفكر والمخيلة والثقافة لكل
أقطاب العرض المسرحي من الأدوات الجامدة التي تخدم العمل كالخشبة والديكور
والإضاءة (كيف يمكن أن تستخدم في فضاء النص) إلى الأدوات الحية من مخرج
وممثل وعاملين في مجال المسرح إلى الجالسين في صالة العرض وهم الجمهور
معتمدا على أن المسرح هو فرجة أولا ولعبة ومتعة وشكل وإبهار، وهذا خليط
الاستفزاز يستلهم المؤلف منه نصه الجيد ليعلن عن وجوده!
ولعلنا هنا نتوقف عند نصوص مطرود المسرحية التي استطاعت أن تكون محفزة
ومستفزة من خلال قراءتها أولا ومن ثم من خلال عرضها ولعل في مسرحية (للروح
نوافذ أخرى) دلالة الإبداع النصي المثير للاستفزاز والتحفز والتساؤل
والإحساس بالمتعة الروحية والفكرية من خلال بناء الشخصيات وطرح الفكرة
والموضوع والحوار.
المسرحية نصا:
هناك فكرة إنسانية عملاقة في هذا النص تؤكد أن الحرب تقتل الإنسان نفسيا
وليس فقط جسديا تؤكد هذه الفكرة من خلال موضوع الحرب دون الإشارة إلى حرب
بعينها، فالبطل الغائب الحاضر هو محور الانتظار والنقاش بين ثلاث شخصيات
مرتبطة به ارتباطا وثيقا من خلال شخصية الأم والأخت والزوجة. (وهذا تأكيد
على عملية الاستفزاز الإبداعي للمتلقي من خلال ربطه بخيط التشويق الذي هو
سر من أسرار الإبداع والاستفزاز) ولعل سر الإبداع في تركيبة شخصيات مطرود
إنها ليست شخصيات بعينها لكنها شخصيات إنسانية نجدها في كل مكان في هذا
العالم. يركز من خلالها على حالة الضياع النفسي الإنساني في حالة الحرب
مؤكدا عبثية الحياة حين يدفع الإنسان حياته وعمره ضائعا بين القلق
والانتظار. شخصيات نسائية ترتبط بمفردات القلق والانتظار والترقب برغم
غمامات الحرب السوداء.
ولا ينسى مطرود في نصه التركيز على الحلم والأمل من خلال هذا الانتظار
مستخدما حوارا شفافا ذا رائحة عبثية لدرجة أن بعض النقاد أطلق على نصه
بدراما اللا معقول!.
حوار شخصيات مطرود حوار غير تقليدي به من الشاعرية والبوح والتساؤل
والتركيز والاختصار والانفعال مزج مفعم لما وراء مكنونات الشخصية.
وبالتدريج يكتشف المتلقي العوالم الداخلية للنساء الثلاث ومن خلالهن يكتشف
العوالم الخارجية لحالة الحرب المرفوضة، حتى الشخصيات الثانوية التي
استخدمها مطرود لم يستخدمها كخلفية للأحداث بل كانت مؤثرة ومندمجة من خلال
الموضوع بتغير مواقفها في العمل المسرحي فذان وإيان (شخصيتان ثانويتان)
تساهمان بتفاعل الحدث والحوار برغم اختلاف تحركهما ومشاهدهما وكانت القاعدة
التمهيدية لشخصية البطل وهو الأبن والزوج والشقيق الذي يثبت وجوده بعد
الفصل الأول لكن وجودا ضائعا بعجزه وقلة حيلته وانهياره النفسي، ليؤكد
الكاتب إن نتائج الحرب هي نتائج وخيمة على الإنسان ليس روحا بل جسد ونفسي.
قاسم مطرود في نصه للروح نوافذ أخرى استطاع أن يكتب نصا مختلفا بأسلوب
الطرح والمعالجة المسرحية واستطاع بمهارة أن يؤسس لروح الاستفزاز التي
ينطلق بها من خلال أعماله فاستطاع أن يكون كاتبا مبدعا بكل
جداره
|