قاسم مطرود والنص الخارج عن المسرح ..!

كتابات - رشا فاضل

 

وأنت تقرأ (الجرافات لا تعرف الحزن) هذا النص الخارج عن حدود الوعي  والإيهام المحكم الذي تتقنه الأمكنة، لا يمكنك إلا أن تصبح اللسان الناطق  بالخيبة وهي تتخذ صيغة بكاء.. يرتدي ملامح الكتابة. وموت..يمسك بجسد الحلم الغض من أطرافه..وينزله من خشبة المسرح إلى منصة الجرح معتليا النزف الشاهق بشاعريه تتجاوز الخطاب المسرحي التقليدي ليكون نصا  شعريا ممسرحا  فوق أرضنا الخصبة.

 

يحدث للموت أن يكون بهذه الأناقة.. ! كما يحلو لنا أن نتغزل به على نحو قد يثير الريبة والمخاوف حول تركيبتنا النفسية (وبناها التحتية) المستوجبة للدراسة والتحليل من قبل سكان المدن المأهولة بالحرير والنعاس،  بسبب مقدرتنا الاستثنائية على التغزل به . .  واستشفاف اللذة من سيمفونيته المتكررة  في أكثر من مناسبة ومحفل وعند نهاية كل حلم دون أن يدركنا الملل والتثاؤب..!

 

لم يبرق  في رأسي (مسرح اللامعقول)  يوما أن اكتب عن مسرحيه ما  على الرغم من ورود الكثير من الأفكار ألمدهشه  التي مازالت ترد إليه بتأييد تام وبدون أية مقاومة تذكر...!

 لكنها الغواية التي  يمارسها النص أمام أصابعنا..  غواية.الكتابة فينا.

  غواية..استدرجتني.. لاعتلاء خشبة المسرح كما فعلت ذات زمن جميل..مع فارق  شاسع في  السينوغرافيا هذه المرة ..!

لم التقي بها إلا عبر حكايات النوم , إلى صندوق  كبير للرسائل  الصفراء.. للأمنيات الشاحبة فوق أسطح ذاكرة غير مؤهله للشيخوخة.

واردد بصوت ذلك العجوز الذي وجد صداه  داخل حنجرتي ( أنا وأمك رحلتنا دونك سخريه ومزاح لا يقبله حتى الله.. ترحل كيف والدعاء لك ..؟)

 

وأضيف أنا..المعتلية لمسرح الحزن العراقي ضمن عرضة اللامنتهي: - (رحم يهب الحياة..وحياة تلد الموت..الصق وجهي بالأرض ..واهمس لذرّاتها – هنيئا لك كل هذا السماد القادم )

 

يجيب المزروع فوق أبجدية المنافي (  الجرافات لا تعرف الحزن..كلماتك  ترن في أذني عن صبح بهيج قادم .كلماتك يا أبي كلمات. لا الصبح يأتي ولا سقوط الأشجار يوقف الجرافات .. زحفت علي السنين..نخرت أحلامي فوق الكتب المدرسية وفتت أوراقي السمر)

 

 نعم . .الجرافات لا تعرف الحزن ..! كحزننا الذي  لا يخضع للتجريف؟

 لأنه عراقي. . !

لأنه عريق..!

لأنه ممتد في عروقنا منذ حليب الأمهات.

 منذ تموز .

منذ رأس الحسين والمدن الغادرة. .

 منذ أن تحول الفرد فينا إلى كيس نفايات مهمل في قبو يصفعه البرد والظلمة وصوت فقد صداه بين رطوبة الجدران. . وعفونة العتمة

 صدى العجوز مافتئ يرتد بين زوايا مسامعي ( إني لا أحسن التوسلات.. اعرف أن روحي خواء  .جسدي صار كالرقم الطينية تناقلها العصور.. وروحي شوهت معالمها الريح. إني لا أحسن البكاء لان انهاري جففها الرصاص.لا أجيد الغناء، لقد سرق القتلة الحاني )

بلا ألحان

ترتبك المراثي فوق الجسد الهزيل

يمتلئ الصدر بالدخان

وتغرق العين بفيض وجوه  بلا ملامح

هكذا.. يستمر العرض . .

هابطا من خشبة المسرح إلى واحة جرح مؤصد بالنزف.

 

تصطخب الرياح بوجه الجرافات . .

لكن الجرافات تعمل بجد

لا يستوقفها أنين النخيل وهو يهوي تحت عجلاتها

تأكل الخضرة بنهم

يتساقط النخيل

وينهض

لا يبدو لنا سقوطه من وقوفه

هي الحياة إذن

بجرافاتها

بأشجارها الواقفة

الهاوية

الواثبة في رحم الأرض

 

وهي وجوهنا . .

تلك الشاخصة نحو الزمن

بانتظار انتهاء

العرض. . !