قراءة فـي مهرجان المسرح العماني الثاني 
«رثاء الفجر» نص يستشرف الفرح وعرض يعلي من نبرة البكاء
د. عبد الكريم بن علي بن جواد

 


مسرحية «رثاء الفجر» كانت ثالث عروض مهرجان المسرح العماني الثاني وكانت مسرحية طموحة سعت إلى تقديم رؤية فكرية وجمالية عبر طروحات تأخذ الكثير من سمات منهجية العبث وإن تمردت عليها فـي بعض المضامين كما اعتنت بتحقيق المشهدية البصرية على خشبة المسرح بانسجام وتوافق مع الحدث مما أهلها للظفر بجائزة أفضل سنوغرافيا والتي حازها المخرج يوسف البلوشي. لكن السؤال الأهم يظل مثارا: إلى أي مدى تحقق التوافق بين روح النص وأبعاده الذهنية من ناحية وبين الرؤية البصرية الماثلة على خشبة المسرح من ناحية ثانية وبين الأداء التمثيلي الذي كان له القول الفصل فـي العرض من الناحية الثالثة؟
إن النص المسرحي للكاتب العراقي الأصل المقيم فـي هولندا «قاسم مطرود» من النصوص التي تبدو فـي إطلالتها الأولى ساكنة، فالحدث الرئيس فيها إمرأة تزور قبر زوجها قبيل فجر يوم العيد. عادة زيارة قبور الأهل والأحباب صباح يوم العيد سائدة فـي الكثير من الأقطار العربية. فما الجديد الذي يمكن أن يقدم فـي مثل هذا الحدث المسرحي؟ الجديد أن المؤلف وظف ذلك الطقس الشعبي المألوف فـي البداية لينطلق منه بعد ذلك فـي مساقات غير مألوفة تحمل الكثير من الدهشة والمفاجأة والإحالات الرمزية. فالمكان المسرحي هي المقبرة فـي هجعة الليل والشواهد تحمل دلالات الراقدين تحت الثرى، بدلة عسكرية، دشداشة وعباءة وكوفية وعقال ومسبحة، عباءة وثوب نسائي أسود. الشموع هي كل ما يضيء المكان الموحش حيث رهبة الموت تخيم على كل شيء. الأوراق تتناثر بين القبور أكواما هي أقرب إلى منظر كتل القمامة تتطاير حينا وتهدأ حينا. ما إن تستوعب طبيعة المكان والمرأة العجوز الوحيدة حتى يدفع المؤلف بحدث آخر. رجلان دفانان يعدان أحد القبور فـي انتظار ساكن جديد قادم إلى المقبرة. يخرج الدفانان ثم تتوالى الأحداث صورا متداعية ومتتابعة من خلال حوار طويل بين الزوجة وزوجها الذي يخرج من القبر ليرحب بها. علاقة مثالية تلك التي تربط بين الزوجين، الزوجة كرست كل حياتها كأرملة على ذكرى زوجها تقيم التعازي وتقرأ له الفواتح وتوزع على روحه الأطعمة على الفقراء والمساكين وهي ترفض كل نصائح الأطباء والمعارف لتعجل باللحاق به والزوج بدأ فـي انتظارها متوقعا قدومها كأمر حتمي. الاثنان يسترجعان ذكريات حياتهما معا ورغم ما فـي تلك الذكرى من مرارة تتصل بوفاة ابنهما الوحيد العسكري فـي أحد الحروب إلا انهما بنهر المحبة الهادر بينهما يملأن المسرح (المقبرة) بالحياة والحيوية حتى لتكاد أن تختلط ملامح الحياة بصور الموت والقبور فيبدو الموت ما هو إلا وجه آخر من الحياة ليس الوجه المخيف أو الخافت بل هو الوجه الذي قد يعيد للحياة التوازن والاستمرارية. فالذكرى والخاطرة والروح هم استمرارية قد تكون أقوى وأنبل من الاستمرارية الجسدية. الإحالات عديدة فـي النص والقراءة قد تمضي فـي أكثر من اتجاه. أما الرؤية العبثية فـي النص فهي تتمثل فـي ثيمة الحياة والموت، الحقيقة الوحيدة فـي الحياة هي الموت باعتباره النهاية الحتمية لكل طموحات البشر وتكالبهم على مغريات الدنيا، إذا لا معنى للأخلاقيات والقيم بل لا معنى للمشاعر والكلمات فكلها زائفة وزائلة وهي مجرد ادعاءات وعلاقات وقتية جوفاء نزايد بها على بعضنا البعض. والعبثية من المذاهب التي سادت العالم الأوروبي فـي منتصف القرن الماضي نتيجة للدمار الهائل والأحزان والمآسي والمجازر التي ذهب ضحيتها ملايين البشر فـي الحرب العالمية الثانية مما أدى إلى انهيار الكثير من القيم والمثل التي كانت راسخة والتي كان يعتقد أنه لا سبيل لهدمها أو التنازل عنها. إن المؤلف فـي النص وإن تبنى فكرة الموت كصنو للحياة وفكرة الانتظار الأزلي الذي لا يسفر عن شيء وإن انتهج منهجية العبث فـي أحداث وحوارات تخلط وتمزج ما هو واقعي باللاواقعي وما هو معقول باللامعقول حتى لتبدو الأمور من فرط مرارتها مدعاة للسخرية بل والضحك أحيانا إلا أنه لم ينسق فـي ذلك انسياقا تاما وترك لنفسه خطوط العودة مفتوحة بل وأثر أن يغربل تلك المنهجية ويضفي عليها من ثقافته العربية الشيء الكثير مما أعطى للنص أبعادا فكرية ورمزية متحررة من الانغلاق فـي إطار مقولب. لم ينقد المؤلف لفكرة عبثية الموت باعتبار أنه المآل المفجع لكل حياة على وجه الأرض بل رأي فـي الموت من خلال النص حياة أخرى ربما هي أروع من الحياة الأولى وراحة فـي المقبرة ما بعدها راحة، فهو يذكر على لسان الدفان الأول: النوم فـي المقبرة أكثر حرية حيث لا شتائم ويستطيع المرء أن يمد رجليه كما يشاء. إن أكثر ما يشد الانتباه فـي النص ذلك الانقلاب المدروس دراميا من مأساوية الحدث والمكان إلى حميمية التفاعل الإنساني الإنساني وروح البذل والتفاني التي جعلت من المقبرة حياة ونبضا يسري فـي عروق الأموات والشواهد وحتى الأوراق المتطايرة. إذا المقبرة هي امتداد للحياة والأحياء وليست خواء أو فناء مطبق كما بدا الأمر للوهلة الأولى وإن حياة الفرد منا لا تنتهي بعد دفنه خصوصا إذا كان لديه من يعزه ويحبه كحب هذه المرأة العجوز لزوجها فحياة المرء فـي الذكرى وفـي الآخرين وهذا هو الفهم المتقاطع مع العبثية. وهو فهم يتكرر تأكيده فـي النص مع قصة صديق الزوج الذي أثر عليه وفاة زوجته فأصابه الحزن والهزال حتى لحق بها مؤخرا فالعلاقة الإنسانية علاقة حية تدوم ولا تنتهي بنهاية الجسد أو المادة. إن مثل تلك العلاقة ترتبط أكثر ما ترتبط بأدبيات الشرق وفلسفاته وهي تحيل الذاكرة إلى ممارسات كانت تنفذ إلى عهد قريب فـي شبه القارة الهندية حيث كانت تحرق الزوجة حية مع جثة زوجها إذا ما وافته المنية. والنص يتكئ على خلفية ميثولوجية قريبة من تلك فحتى بعد وفاة الزوج تظل المرأة تغسل وتنظف قبره وتكبر صوره وتعلقها على الشواهد بل وتستعجل الأيام كل الاستعجال للحاق به. هل المرء إذا ما توفـي ووري الثرى تحت التراب انتهى وأصبح مجرد شهادة وفاة، ورقة من عدد لا متناه من الأوراق المتناثرة المتطايرة كتلك التي فـي المقبرة كدلالة رمزية على ما يراد للإنسان أن يكون وهي إرادة تتناقض عما هو بالفعل كائن وموجود ومتمثل فـي الحدث على خشبة المسرح. إن المسرحية ترثي الفجر أي الحياة تحت أشعة الشمس الساطعة أكثر مما ترثي الليل والظلام ووحشة القبور وهذا ما يصنع الدهشة فيها ويثير التساؤل. لا شك إن نصا مثل هذا متعدد الدلالات والقراءات يربك فريق العمل المتصدي له ويدخلهم فـي تحدي القراءة التحليلية العميقة للنص من ناحية والاتفاق على فهم مشترك له من ناحية ثانية. المخرج قدم رؤية بصرية على خشبة المسرح حاولت أن تلتزم بالنص وأن تفسره تفسيرا حدثيا مخلصا ومباشرا وأن تبرزه جماليا لاسيما نهاية المسرحية عندما يتحول قبرا الزوج والزوجة إلى سريرين متجاورين فـي منام أبدي فالعلاقة الحياتية الحميمة ها هي تتواصل حتى بعد الممات إلا أن تلك الرؤية الجمالية لم تنسحب على الأداء التمثيلي الذي استسهل تقديم البكائيات باعتبار أن موضوع المسرحية هو الموت والقبر والذكريات المريرة وهي أمور تنسجم مع إعلاء نبرة النشيج والبكاء إلا أن الأمر غير ذلك تماما. إن هذه القراءة المحدودة للنص وقلة فترة التدرب عليه نسبيا حديا بالعرض إلى مسار ميلودرامي اكتنفه الكثير من الرتابة وبطء الإيقاع واصطناع الحزن مما أدى الى تعميق الهوة ما بين المشاهد والحدث على خشبة المسرح رغم ما يتميز به بطلا العرض سميرة الوهيبي وإدريس من ملكات تمثيل عالية كان يمكن أن توظف بشكل أكبر لو انسجم الأداء مع الطرح الفكري للنص.