قراءة لنص أحلام في موضع منهار

 صباح الانباري



الأحلام نافذة الروح المفتوحة على أفق الأمل الإنساني.. هي رغبة الحالم وأداته لتحقيق هذه الرغبة.. هي شكل من أشكال الدعم الروحي، غير المحدود، لحياتنا المادية القلقة المضطربة والمحفوفة بالمخاطر.. وهي الحد الفاصل بين رغباتنا الجامحة وتطلعنا لتحقيق تلك الرغبات من جهة، وبين واقعنا المادي الملموس والمعيش من جهة أخرى.. وضمن هذه المحددات وضع الكاتب المسرحي قاسم مطرود مسرحيته "أحلام في موضع منهار" وهو موضع رغب فيه الحالمون بحياة مختلفة تتسامى فيها العلاقات الإنسانية وينأى عنها الموت والقتل والدمار والفناء، وبناءا على هذا وعلى أساس تقاطع وتناقض رغبات الجنود غير المتحققة مع الواقع المتحقق في موضعهم القتالي المنهار أعلنت المسرحية انحيازها وتقديمها صورة جلية من صور الحرب الملطخة بالدماء.. وأوحت بالكامن وراء تلك الصورة من جنوح الرغبة الدائمة نحو الحياة.. أما شخصيتها الرئيسة "الجندي الأول" فهي شخصية تشظت إلى عشرات الشخصيات التي تماهى بعضها مع بعض وتشابه بعضها مع بعض كما تتشابه فكرة ما مع فكرة أخرى وبسبب ذلك التماهي وهذا التشابه لم يعط الكاتب شخوصه أسماء محددة بل اكتفى بإعطائها أرقاما كي يقنعنا إن هناك تسلسلا منها.. من الشخصيات التي أخضعها للظرف نفسه وللمعاناة نفسها وما "الأول" إلا صورة مصغرة ومضغوطة لكم هائل من الشخصيات الحالمة داخل موضع المسرحية المنهار أو في مواضع أخرى.. وتتصف الشخصية في مسرحية قاسم مطرود بأنها تتجاوز ما هو فردي خاص إلى ما هو جماعي عام فعندما تتحدث عن حلم "الجندي الثاني" فإنها تتحدث عن أحلام الكثيرين من أمثاله.
"كم كنت يا صديقي حالما بالشمس" وتفترض واقعا مظلما جعل "الجندي الثاني" يحلم بنور الشمس التي تبدد هذا الظلام.. وهو نفس الحلم لعشرات ومئات وربما ألاف الجنود الذين حرموا من شمس الحرية، وتعلن في الوقت نفسه عن وجود أماكن أخرى تتحقق فيها الراحة والسكون والحب وهي بلا شك لا وجود لها إلا في منطقة الحلم "تعال معي هناك لا صوت يفزعك وستعرف الراحة بعد لهاث طويل" وهي دعوة تتضمن نبذ الحرب والنأي عن ضجيج انفجاراتها وعن العيش كالجرذان في مواضع يصعب فيها تمييز الوجوه عن التراب.
الموضع في المسرحية إذن هو المكان الدائم لاستقبال الموت، والحاضنة المشتركة لقرابين الحرب، والبؤرة التي يتعانق عندها الموت بغريمته الحياة. في هذا الموضع جمع الكاتب شخوصه وتركهم في مواجهة مستمرة مع أقدارهم الغاشمة. يذكر لنا على سبيل المثال كيف إن الجندي الذي أصر على إقامة الصلاة ولم يرض بالتيمم خرج ليملا خوذته ماءا فامتلأت خوذته بالدماء، وتناثر جسده متشظيا هنا وهناك.. لقد أدرك هذا الجندي اجله فأراد، قبل انقطاعه، أن يتطهر بالماء، ولكنه بدلا من ذلك تطهر بالدماء.. صور الموضع تترى بأشكال مختلفة من البشاعة والعنف والألم البشري.. تعكس طبيعة الحرب الجحيمية وحجمها المهول، وآثارها الدموية وتلاعبها بالآجال والمصائر. كل هذا جسده الكاتب ببراعة من خلال الشخصية الوحيدة المستوحدة التي حملها وزر القيام بكل الأفعال الدراماتيكية داخل النص.. وهي الشاهد الأخير على ما جرى، والفاعل الناشط الذي رأى ما رأى فأدرك جسامة الأحداث وروعها.. شخصية أسست حوارها على بنية الفعل ودراماتيكيته كشرط أساس من شروط المونودراما الناجحة فنيا.. وهي المقياس الشرطي الرئيس لتفوق بعض كتاب المونودراما على بعضهم الآخر الذي غالبا ممن سقط أو يتهيأ للسقوط في مهاوي الوصف الروائي ومنزلقاته السردية.
أن تحقق هذه البنية في مسرحية قاسم مطرود "أحلام في موضع منهار" هو الذي جعلنا نفترض وجود شخصيات أخرى تحاورها الشخصية الرئيسة وتتصارع وتتناقض وتتقاطع أو تتفق معها عبر حوارات لا تعطي للأفعال توصيفات سردية قدر ما تعطيها حركات تدميرية / بنائية.. ولا يغير من هذا الأمر قصر النص أو طوله لان الكاتب مطالب، إن طال نصه أو قصر، بالحفاظ على روحية الفعل وحيويته الدرامية.
والحوار في مسرحية قاسم يتداعى عبر قنوات مختلفة ينساب فيها، عبر استرجاع الشخصية، نحو مصب الفكرة الرئيسة.. ففي بداية النص يتحدث الجندي الأول مع الجندي الثاني مباشرة، ويناديه متجاهلا استسلامه للموت:
"يا صديقي تعال معي" "قم من غفوتك" "غادر تربتك القاحلة" "من اجل حلمك قم " لقد توارت الحدود بين الموت والحياة، وتداخل كل منهما بالآخر، ولم يعد الحلم قادرا على الرغم مما فيه من قدرات سحرية أن يزيح الموت وان يفلح في جر الموتى إلى النهوض أو الرحيل إلى مدينة أحلامهم الآمنة.. ومن هذه القناة ينتقل الحوار ليسترجع صورة ألام.. أم الجندي القتيل في محاولة يائسة لانتزاع الموت من جسده المسجى جوار موضعهم المنهار ويقوم الجندي الأول بإعادة حكايتها على مسامع الجندي الثاني عل معاناتها ولهفتها وأمومتها تتحول إلى مصل أو ترياق يزيح الموت عنه وينفث الروح فيمن غادرتهم الروح.. ولكي يدعم هذه القناة ويعزز الأمل في نفسه فانه يرسل لصديقه، بكلماته المكلومة، صورة حبيبته التي كانت عنده مخلوقة من طينة خاصة تجعلها فوق النساء جميعا.. لهذا يفتح الكاتب قناة رابعة تفشل هي الأخرى في تبديد الموت أو بالاحرى تحفيز رغبة الحياة وتفعيلها والحفاظ عليها "هل أسقيك الماء يا صديقي هل أزيل عن وجهك التراب انه الماء يا صديقي" وإذ لا يلقى استجابة يستمر في استرجاعا ته واستذكارا ته في محاولة منه لخلق التوازن بين وجوده الواهي وموته المؤجل من جهة وبين صديقه القتيل وحياته المؤجلة من جهة أخرى لتنتهي قناته هذه إلى مصل الحياة ورمزها الأكثر فاعلية، الماء.
"هل اسقي خوذتك عساها تحل عن رأسك وتحتضن نبتة " وإذ تفشل كل محاولات التحفيز تلتجئ الشخصية إلى جملها التسويفية مموهة بها فشلها المحتوم ومثبتة بصيص أملها ذي الفسحة الضيقة "سأرحل يا صاحبي سأرحل أيها الهدف الذي كان ملعبا للرماة سأجلس هناك بعيدا عن هذه الأنفاس سأنتظر عند أبواب مدينة الحلم ومما يزيد المأساة مأساوية إننا نعرف إن لا مستقبل لتسويف الشخصية وان الموت محدق بها ومتمكن منها.. فلقد انهار الموضع وانهارت معه كل مقومات ومسببات الحياة وفعلا يدخل الجندي الأول حقل الألغام في الوقت الذي ينهض الجندي الثاني من رقدته ليخاطب صديقه الأول بعد أن بدأت الانفجارات ووميضها تعم المكان وتتطاير الخوذ الفولاذية وتتناثر الأشلاء مطفئة بجثثها الباردة بصيص الأمل الوحيد لينتهي القارئ من مسرحية قاسم مطرود معلنا عن موقفه المناهض للحرب وبشاعتها ودمويتها وهذه هي غاية المسرحية وهدفها الإنساني الكبير.