المقروء والمنظور في مسرحية

"للروح نوافذ أخرى"

صباح الانباري


1-المقروء: بنية الانتظار وخيبة العودة في نص المسرحية

        الاشتغال على النص قبل العرض نقدياً هو جزء من تقليد متبع من قبل غالبية نقاد المسرح ومتابعيه الذين أحسب نفسي واحدا منهم. وقد أشارت الكثير من المقالات والدراسات، في عنونتها، إلى إحدهما أو كليهما معا فكتبوا عن المسرحية الفلانية بين النص والعرض، أو من النص إلى العرض، أو بين النص المقروء والعرض المنظور، أو رؤيا النص ورؤيا العرض....الخ. وقد يخرقون هذا التقليد اضطرارا فيتناولون عرض المخرج ورؤياه بعيدا عن نص المؤلف ورؤياه، وهذا ما يحصل غالبا في المهرجانات المسرحية، أو في الحالات التي يصعب الحصول، لسبب أو لآخر، على النص. لقد شاهدت عرض مسرحية قاسم مطرود " للروح نوافذ أخرى " ولم تتيسر لي، حينها نسخة من المسرحية فاضطررت إلى تناول عرضها، والكشف عن منظومته الجمالية، وصوره التي رسمها المخرج أحمد حسن موسى بدراية وإتقان كبيرين، وجسدتها على الخشبة نخبة من ممثلين كانت على رأسهم الفنانة القديرة " آزادوهي صاموئيل". وبعد زمن ليس بالقصير حصلت على نص المسرحية وقرأته مرتين، مرة بدافع المتعة ومرة على أساس كم الإبداع المتحقق فيه استنادا على رؤيا المؤلف واشتغاله على طريقة المزاوجة الدينامية بين الصورة والكلمة، وتركيزه على " ثيمة " الانتظار التي أسبغت على مشاعر شخوص المسرحية غموضا فرضته عليهم طبيعة هذه "الثيمة" وتأثيراتها النفسية والاجتماعية والأدائية "الكيفية" أو الآلية التي عملت على وفقها مستنفدة قصوى طاقاتها على مدى قسمي المسرحية. 

 في القسم الأول جسدت الانتظار ثلاث شخصيات رئيسة هي الزوجة والأخت والأم فضلا عن شخصيتين مفترضتين ظليتين حتمت وجودهما عقدة استجابة الشخصيات الرئيسة أو ملامسة مجسها لعتمة حياتهم الداخلية وضبابيتها. لهذا جعل المؤلف اسميهما، ذان وأيان، ثابتين، وأفعالها متغيرة بحسب نوع الوظيفة التي يؤديانها كالمراقبة أو التعليق أو الدخول في الحدث،أو المساهمة في تجسيد فعل النص بالصوت والحركة دون أن يكون لها وجود خارج هذه المحددات. وحتى عندما يكون حوارهما موجها، مباشرة، إلى شخوص المسرحية الثلاثة فان هؤلاء الثلاثة لا يتحاورون معها بالطريقة نفسها وان إجاباتهم في أغلب الأحيان توجه إلى آخرهم " الظل " الموجود إزاء كل منهم وهذا يعني أن شخوص المسرحية، بشكل عام، يسيرون بخطين متوازيين لا يلتقيان في أية نقطة من نقاط تطور النص. فان كان ذان وأيان يشكلان طرفاً في النص فأنهما يرتبطان بالطرف الثاني من خلال علاقات خارجية، غير محكومة، بوحدة وتناقض الأضداد مما يلغي عمليا صراعهما الدرامي ويجعل المسرحية تدور حول نفسها بدلا من أن تصعد إلى ذروتها، ولا يغير من الأمر شيئا تدخلهما أو استجابتهما لردود الأفعال التي يفترض أن يقوم بها الغائب/الأسير، ولا تماهيهما الذي يستمر معهم على مدى عجز استجابته أو إجابته عن أسئلة المنتظرين له بصبر ولهفة وجنون.

إذن "الثيمة" التي أشتغل عليها قاسم مطرود في هذا القسم هي ثيمة الانتظار المشوب بالصبر النافد كحالة من حالات إفرازات الحرب ونتائجها. أثقل بها على الشخصيات الثواكل "الزوجة والأخت والأم" وجعلهن رهنا بهذيانات لا طائل من ورائها إن لم تنته بعودة من ينتظرن.وهنا يبرز على السطح فعلان أولهما مبني على توكيد العودة، وثانيهما على توكيد الانتظار. يتجسد الأول من خلال حضور الغائب المنتظر، ويتجسد الثاني من خلال اللحظة الحاسمة أو اللقاء الذي سيغير حياتهن برمتها. ولأهمية هذه ال، عموما غير العابرة، تقوم الابنة بمحاولات كثيرة لتذكير أمها بالماضي الذي غابت فيه صورة ابنها ولأن "الذاكرة لا تحفظ العابر من الأيام ولا تخلد الصغائر منها" وهي في تألقها تحتاج إلى يقظة كاملة منها "من الأم" وإلى فتح أبواب ذاكرتها، وإغلاق نوافذ نسيانها التي يبدو أن لا سبيل إلى إغلاقها.في القسم الأول، عموما، استأثر الانتظار بمعاناة المرأة واستحوذ على مشاعرها كزوجة أو أم أو ابنة. فالزوجة هنا ولشدة قسوة الانتظار عليها، وثقل أيامه ولياليه، ولأنها لم تعد تفكر بأي شيء خارج دائرة تأثيراته النفسية والاجتماعية "الأسرية" صار فكرها أحاديا وصيرها حبيسة له، مقيدا فعلها الحر بفعله ومداها بمداه، ولم يترك لها فسحة سوى فسحة انتظار زوجها التي تأمل أن يكون لها من القوة ما يجعلها تمزق شرنقة الحزن ولياليها الطوال.

ولشدة ريح الانتظار وعصفها الذي أحاط بالأم فقدت ذاكرتها ولم تعد تحفل بالقادم من الأيام.وربما تستطيع الصدمة التي أضاعت ابنها أعادة ذاكرتها في لحظة اللقاء المحموم الذي سيشكل بحد ذاته صدمة استرجاعية تعيد لها ما ضاع من سالف الأيام.أما الابنة فقد حولها الانتظار إلى أم لأم حتى نسيت مذاق حياتها، ودفنت روحها في قبره الضيق،معللة نفسها بالخلاص ومعولة على القدرة الاسترجاعية لتلك الصدمة. ويستمر الانتظار.. انتظار اللقاء المرتقب، والأمل الذي يجدد الحياة ويوقد الجذوة فيها بعد أن أوشكت تلك الجذوة على الانطفاء. ويبدأ القسم الثاني برتابة حياتهن كما هو الحال في مفتتح المسرحية بالأعمال البيتية الرتيبة نفسها حتى لحظة دخوله عليهن ببرود كبير ولا مبالاة اكبر فتبدو لهن المعجزة باهتة واللقاء المرتقب بلا حرارة وبلا عواطف وبلا جنون. فالعائد من غيبته الطويلة المضنية قد تغيرت صورته وبهتت ملامحه وشاب هيأته الوهن وما عاد قادرا على تغيير ما خطه الزمن على وجوه منتظريه. وبذا يكون قاسم مطرود قد أمعن إيغالا في التأكيد على لا جدوى الانتظار ولا جدوى العودة بل لا جدوى الحياة ما دامت أفعال المنتظرات تصب، آخر الأمر، في عبثية حياتهن ولا جدواها.

 العودة إذن لم تبدد غربتهن التي استوطنت كياناتهن كلها، ولا أن تقلب الموازين أو تخفف حدة اليأس الذي أسلمهن إلى خيبة لم يحسبن لها حسابا، وبذا تحولت العودة إلى مفترق طرق سلكت كل واحدة منهن طريقا لا تلتقي مع طريق الأخرى إلا من حيث كم الخيبة والغربة التي شعرت كل واحدة منهن على انفراد، فالأم على سبيل المثال لم تعد قادرة على محو آثار الغربة التي تعايشت معها سنوات قاسية أدت بها إلى فقدان ذاكرة الماضي حد أنها لا تستطيع أن تتقبل الحاضر أو إن تديم انتمائها إليه: "كيف لي أن أتصور انك ابنتي وهذا البيت بيتي. وان قبلت الفكرة فلا أستطيع أن أحس بكما مثل أبنائي لأنني ما زلت أعيش الغربة هنا" والزوجة التي التقت أخيرا ببقايا زوج مهشم لا يرغب في الاستمرار معها انتظرت تابوته مودعة إياه كما لو كان ميتا فعلا:

"دعيني ابكي لأغسل دكة القرابين، وأقص شعري الذي حناؤه دم، وأنوح عليه، أودعه"والأخت التي رأت في عودته موتا وخواء أعلنت عن عدم قدرتها على التآلف مع الموت: " لا أستطيع الاستمرار مع الموت.. سأترككما واجر مع انكساري، وحزمة الضوء التي انطفأت " وأخيرا يعلن الغائب اعترافه بتبلد عواطفه ورجوعه على طريق الغربة التي ألفها وتعايش معها على مدى سنوات الأسر: "لا اعرف لماذا تبلدت عواطفي.. كنت أتحرق شوقا في الأيام الأول إلى رؤيتكم حتى كنت أدفن رأسي تحت الوسادة وأجهش بالبكاء والغربة تلفني وعلى مر السنين لم أعد أألف نفسي لأنها تختلف عني " إذن اشتغال قاسم مطرود على الانتظار ثيمةً وعلى لا جدواه نتيجةً أعطت صورة واضحة عن مخلفات الحرب وتفكيكها لبنى الروابط الأسرية بطريقة تحذيرية أكدت حرصه على ناسه، وأمله في خلاصهم، وخوفه عليهم من السقوط تحت براثن الكارثة. فضلا عن منحه النص روحا عراقية وإن كانت مقببة بمسرح اللامعقول الذي درسه بعناية وفهم للظروف التي أدت إليه دون أن تكون به حاجة إلى المغامرة أو الجنوح لأن الناس هنا كما هم في أوربا، ما بعد الحروب والكوارث، امتلكوا الاستعدادات الكافية لتقبل هذا المسرح وفهموا أن حاجتهم إليه وإلى مبدعيه الاصائل، بمقتضى الضرورة، أمر حتمي ادخر لنفوسهم ما يكفي من العزاء والرجاء. وكحصيلة استنتاجيه أخيرة لم يفتح قاسم مطرود، في خاتمة نصه، النوافذ التي أراد. وأحال أمر فتحها، مستقبليا، إلى قارئه الذي لا بد له أن يهتدي يوما إلى نوافذ الروح الأخرى ليطل منها على عالم جديد لا يسفك الدم البشري ولا يقتل إنسان أخيه الإنسان ولا يحصل فيه ما حصل للزوجة والابنة والابن والأم وهذا هدف إنساني نبيل لم تبتعد المسرحية أو تحيد عنه بأي شكل من الأشكال.

 2- المنظور: صور الانتظار وحتمية العودة في عرض المسرحية

     لا وجود لمسرح بلا صورة فالصورة أداة فاعلة من أدوات العرض الفنية التي تفترض وجود العين المبصرة كشرط أساسي لقراءتها، ولا يغير من الأمر شيئاً اقتران تلك الصورة بالصمت في حالة "البانتومايم" أو بالنطق في حالة المسرحية الحوارية الصائته إن كل لحظة تمر على خشبة المسرح تشكل أو توثق صورة تلك اللحظة مؤطرة بالإضاءة وقطع الديكور والأزياء السينوغرافيا والألوان. وعلى وفق هذا تدخر المسرحية الكبيرة عدداً هائلاً من الصور يشتغل المخرج على تكثيفها وبثها إلى المتلقي كرموز بصرية ذات دلالات محددة.هذه الدلالات هي التي تشكل المعنى العام للمسرحية. وفي المسرح العراقي الكثير من العروض المسرحية التي اعتمدت الصورة كبنية أساسية في توضيح الأفكار وإيصالها، ومن تلك العروض مسرحية " للروح نوافذ أخرى " التي سنقوم بقراءة لغة عرضها قراءة بصرية تعتمد الصورة فيه أساسا في القراءة. ففي المسرح الخالي أو المساحة الخالية تصبح الصورة العنصر الأكثر أهمية والأدق دلالة من العناصر الدرامية الأخرى. أنها مفتاح اللغة البصرية للخشبة.تلك اللغة التي تحول الخشبة إلى كتاب تقرأه العين كمجموعة من الصور الدالة التي تدعمها وتعمق دلالتها الإضاءة والموسيقى والمؤثرات الصوتية والأزياء والماكياج. وفي مسرحية " للروح نوافذ أخرى " التي كتبها الأستاذ قاسم مطرود و أخرجها الفنان احمد حسن موسى صور سمعية وبصرية نجح المخرج في تأطير محتواها بإطار رؤياه الفنية فجعلنا نقرأ ونحن في مقاعدنا، لغة العرض من خلال الصور آلاتية:

الصورة الأولى:

ظلام تمهيدي ثقيل يغطي الخشبة بضع ثوان يطبع في عين المشاهد سوداوية تنبئ باصطباغ الأحداث الآتية بصبغتها القاتمة، ثم يتوهج الضوء في بقعة كاشفاً عن امرأة موشاة بالسواد: امرأة تنتظر أوبة ابنها جاعلة من الانتظار مبرراً لوجودها واستمرارها في حياة كل ما فيها مظلم وسوداوي: تتناغم مع هذه الصورة المرئية صورة سمعية لرجل يعلن عن أسماء العائدين من الأسر.

 

الصورة الثانية

في ثلاث بقع ضوئية، وضمن مثلث تقليدي، تظهر صورة الزوجة والأم والملاك وتبدأ أولا الصور الذهنية بالانطلاق من شفتي الأم بتكرار تسويفي لكلمة "يعود" وهي كلمة تمنح الصورة الذهنية إضاءة غامرة تقطعها أو تتقاطع معها في تناقض مؤقت. عبارة الزوجة "لن يعود"

الصورة الثالثة:

 تخرج المرأة الملاك من الصورة وتظل الزوجة والأم في بقعتين فترة طويلة نسبيا يتم أثناءها تفريغ الحوار الذي لم يخلو من الاستطرادات التي أثرت في الإيقاع وحولته من السرعة إلى البطء.وعلى الرغم من التناقص اللوني الحاد بين زي الزوجة والأم من جهة وزي الملاك من جهة أخرى إلا أن القتامة ظلت باسطة سطوتها على صورة المشهد برمته.

 
الصورة الرابعة:

تبدأ بظلال ذهنية خفيفة تعمق إيقاع الأمل في ذهن الزوجة فتتحول من الضد إلى الحياة ولكنها مع ذلك لا تستطيع عقلنة عودته فتتحول صورة عودته الذهنية الوهمية " سيعود " إلى نوع من الهستريا يتحول فيها فعل الرقص إلى الشعور المفرط بالألم والمرارة.لقد استطاعت الفنانة إيمان ذياب أن ترسم بجسدها على الخشبة صورة حية ناطقة معبرة بوضوح وعمق عن حقيقة المرأة العراقية في ظروف حرب ضروس،ولقد ساعدها في رسم هذه الصورة المؤلف الموسيقي سليم سالم الذي جعل الإيقاع يتناغم معها سمعيا وبصريا.

الصورة الخامسة:

يهجم الدود على الزوجة والأم. فتنقضان عليه ضربا وقتلا في حركات مرنة بارعة مؤثرة جعلت اللامرئي مرئيا في عدده وحجمه حتى بتنا نقاتله بصريا دفاعا عن هاتين المستوحدتين..لقد ملأت آزادوهي صاموئيل وإيمان ذياب الفراغ في المساحة الخالية التي عملت كل منهما عليها في هذا المشهد أكثر من أي مشهد آخر.. لقد التحم الفضاء بالفضاء ولم يعد هناك ثمة فضاء للفراغ. ولقد ساهمت الأزياء، التي بعثرتها الأم والزوجة في منتصف المسرح، بجعل التناغم اللوني شديدا كما ساهمت الموسيقى بشحن المشاهد/المتلقي بصورة ذهنية تساوقت مع مجريات المشهد فجعلت صورته أكثر حضورا أو تأثيرا من صور المشاهد الأخرى.. تنتهي هذه الصورة عندما تجمع الأم كل ذلك الركام من الملابس في يسار المسرح لتعود إلى البقعة نفسها التي كانت فيها من قبل ويعود الظلام ليبسط سطوته على الصورة جاعلا فضاءها أكثر قناعة وأضخم حجماً من جسدي الممثلتين الضئيلتين وتفشل حتى الصورة الذهنية للحوار في ملء المساحة الخالية التي اتسعت واتسعت حتى شملت الخشبة كلها.

الصورة السادسة:

في منطقة خيال الظل تظهر الأم وهي تبحث عن ابنها " هناك " ثم سرعان ما تدخل "هنا" مع الجثة/ الدمية تسحبها بمشقة إلى وسط المسرح..تحتضنها..  ترضعها من صدرها الرءوم..تسحبها، إلى حافة المسرح، بينما انشغلت الزوجة، طوال ذلك الوقت، بحفر القبر وتهيئته ليستقبل الجثة الدمية.لقد كان القبر مظلما وكانت الزوجة تؤدي في الظلام حركات لم نستطيع رؤيتها بوضوح بسبب الظلام الذي تعمد مصمم الإضاءة سنان العزاوي والذي نجح أيما نجاح في تصميمه للإضاءة هو الآخر أن يجعل الممثلة تتكلم في الظلام فترة قبل أن يسلط الضوء عليها.

الصورة السابعة:

ترتفع الخشبة الأمامية ويظهر الابن/الزوج ممددا بكفنه على الأرض.. ينهض من الموت.يقف بساق من خشب وذراع مبتورة وتتحول النغمة من " سيعود". إلى " عاد "..والثلاثة الآن في ثلاث بقع ضوئية في مثلث مشابه للمثلث التقليدي الأول يحد من حركاتهم ويحجم أفعالهم. .لقد كانت إيمان ذياب في لحظات الصمت التي ميزت هذا المشهد عن المشاهد الأخرى تعبر بجسدها بطريقة ذكرتنا بالفنانة الكبيرة هيلينا فايكل في مسرحية "الأم شجاعة وأبناؤها " وربما درست إيمان صور هيلينا ثم بدأت بتقليد حركاتها وأوضاعها على الخشبة.أما الفنانة القديرة قديسة المسرح العراقي آزادوهي فقد كانت حيوية في ملء فترات الصمت.فعالة في التواصل مع الفعل الدرامي القائم على الخشبة ولم يخلو وجهها ولا ملامحها، طوال صمتها،من تعبير دقيق وانفعال حقيقي.

الصورة الأخيرة:

يتبدد الوهم الذي سيطر على ثلاثتهم.الابن/الزوج يناجي أمه ولم تعد تناجيه واكتفت بدخول قوقعة أل "سيعود "من جديد.والزوجة رحلت إلى أفق بعيد في صورة من أجمل صور الرحيل على الخشبة والابن صعد ثانية إلى السماء ليغيب ملاكه أيضا عن المكان الذي "هنا ".وحدها الأم تبقى على الخشبة منتظرة في صورة المسرحية الأخيرة

من الرؤيتين نستنتج ما يأتي:

 1- إن المخرج أشتغل في عرض المسرحية على بنيتين أساسيتين هما بنية الانتظار مجسدة من خلال كم الصور الهائلة الموثقة بكل لحظة من لحظات العرض والمؤطره بفراغ من العتمة ولونها المأساوي. وبنية العودة مؤكدا عليها من خلال تكرارها على لسان الأم مرات عديدة.


2- ولان المخرج أراد لعرضه أن يكون معقولا وان يبتعد عن النظرة التشاؤمية لكتاب مسرح اللامعقول أشتغل في نهاية العرض على حتمية العودة في الوقت الذي كان قد أشتغل فيه مؤلف النص على خيبة العودة.

3- حذف المخرج شخصية "براء" وشخصية "ذان" وشخصية "أيان" لأنهم، على وفق رؤياه، شخصيات ليس لها محل من دراما العرض.فبراء شخصية تتشابه بمشاعرها وعواطفها وسلوكها مع مشاعر وعواطف وسلوك الأم،وذان وأيان شخصيتان افتراضيتان تتعارضان مع فكرة إخراج النص إخراجا واقعيا.وكان المؤلف قد ابتكرها لتخدم فكرة النص ولتسبغ غموضا، غير مقصود، على شخوصه ولتعطي انطباعا عن وهم العودة وعبثية الانتظار.

4- ومع أن المخرج في عرضه، أوصل الشخصيات إلى مفترق الطرق فغادرت الزوجة إلى البعيد "البعيد"، وغادر الابن إلى "السماء"، إلا انه أبقى الأم في حالة انتظار دائم ولسان حالها يؤكد على أن ابنها الغائب "سيعود".بينما جعل المؤلف شخوصه يغادرون مفترقهم كل على طريقه الخاص ودونما استثناء.

5- الاختلاف في بعض مفردات الرؤيتين، رؤيا النص ورؤيا العرض، وسلامتهما فنيا وفكريا يشيران إلى أن النص يمتلك طاقات فنية وفكرية ودرامية كامنة فيه تجعل أمر تناوله، إخراجيا ونقديا، أمرا واردا وممكنا ومتعددا بتعدد قراءاته واختلاف الرؤى بين هذه أو تلك من القراءات.

6- فتح المخرج نوافذ الروح كلها وترك نافذة الأمل مشرعة أمام حركة شخوصه في زمن العرض. في الوقت الذي كان قد أقر المؤلف بوجود نوافذ أخرى للروح لم تفتح بعد وأحال أمر فتحها إلى قارئه ليطل منها على عالم جديد يؤسسه خارج زمن النص.