![]() |
|
||||||||||
|
الرؤية الواقعية في المسرح العراقي الحديث
فوزي سعيدي الباب الثاني
تحت إشراف الدكتور عبد الرحمن بن زيدان حصل الفنان فوزي سعيدي على دبلوم الدراسات العليا المعمقة من جامعة المولى إسماعيل/كلية الآداب والعلوم الإنسانية/مكناس/على رسالته الموسومة"الرؤية الواقعية في المسرح العراقي الحديث/قاسم مطرود نموذجا ضمن الموسم الجامعي 2004-2005
الفصل الأول تاريخ المسرح العراق
سندخل الآن إلى الباب الثاني من هذا البحث، والذي سنخصص فصله الأول للحديث عن بعض المظاهر الفنية والتمثيلية التي عرفها العراق حتى وصل للممارسة المسرحية في شكلها الحديث الذي استقرت عليه اليوم، فالأكيد أن الممارسات التي تحمل بذرة المسرح نجدها تعود لزمن الحضارات البابلية والسومرية والآشورية... وما تركته من تراث فكري وفني عظيم من أسطورة وحكاية وملحمة، وتعددت الآراء واختلفت حول نشأة المسرح العراقي، فهناك من رأى أن عهده الأول يرجع إلى زمن الحضارة السومرية الضاربة في التاريخ، بل وأن العراق هو أول بلد عرف هذه الممارسة الفنية منذ القديم وهنا يقول الفنان الكبير يوسف العاني : " أن الباحث العراقي فوزي رشيد أثبت بالدلائل والوثائق أن مهد فن المسرح هو العراق، ونقل العاني عن رشيد قوله : إن الأسطورة القديمة المكتشفة في العراق " نزول إننا إلى العالم السفلي"، وهي أول نص مسرحي مكتشف إلى الآن في العالم، لم تكن للقراءة فقط وإنما للتمثيل أيضا، وأضاف أنه اكتشف نصا مسماريا آخر في مدينة آشور يعود إلى 800 قبل الميلاد، وهو يتحدث عن تمثلية أخرى بطلها الإله " مردوخ"، وهذا كله قبل أن يعرف اليونانيون المسرح"([40]). فهذا القول يؤكد على أن أرض العراق كانت موطنا لأقدم ممارسة مسرحية، فالحضارة الراقية لابد أن تبدع وتنتج الفن، فتطور الفن المسرحي في العراق يعود في انطلاقته الأولى إلى زمن الملاحم حيث " أنتجت الحضارة السومرية أولى الشعائر الدينية والطقوسية التي أتاحت للبابليين في وقت لاحق استيعابها وتطويرها في ملحمة كلكامش التي تعد من أقدم الملاحم وأجملها في العالم القديم، والتي تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد"[41]).) إذا كان هذا هو حال الممارسة الفنية في العراق القديم، فإن القرون الماضية شهدت أشكالا ومظاهر أخرى تحمل في طياتها بذرة المسرح، ونقصد هنا التمثيل الديني ممثلا في التعازي الشيعية، حيث الاحتفالات الشيعية بيوم عاشوراء، و مقتل الحسين بن علي سنة 680 من الميلاد، بعد توجهه رفقة فئة قليلة من أنصاره لاسترداد الخلافة بناء على دعوة أهل الكوفة، لكن جيش الخليفة اليزيد بن معاوية قطع الطريق عليه. وتذكر المصادر التاريخية أن جيش اليزيد كان مكونا من أربع آلاف محارب، ولما توجه الحسين ومن معه صوب نهر الفرات، " اصطدم بأعدائه الذين قاموا بردم قناة المياه التي كان يشرب منها هو ورجاله، وفي اليوم العاشر وبعد عطش مميت وبعد يأس من مساندة أهل الكوفة الذين تراجعوا عن وعدهم، دخل الحسين ومن معه المعركة في كربلاء، فقتل كل أصحاب الحسين، وقتل الحسين وقطع رأسه وأرسل إلى يزيد ومثل بجثته، وتشردت عائلته ([42]) فمأساة الحسين شكلت مادة خصبة للأداء الدرامي عند شيعة العراق، وسنحاول الوقوف عند بعض خصائص هذا الشكل الفني، إضافة لظواهر أخرى كفن الأراجوز، والأخباري. - التمثيل الديني في العراق : "عرف التمثيل طريقه إلى الشعب العربي في العراق من خلال التمثيل الديني الذي كان يؤدى في الميادين والساحات الشعبية خاصة حول ضريح الإمام الحسين رضي الله عنه، حيث كانت تمثل مأساة الحسين رضي الله عنه واستشهاده، وقد كانت مأساة شبه كاملة إذ تتوفر بها القصة والشخصيات والحوار والملابس، فكان الأمويون يرتدون الملابس الحمراء رمزا للدم والعنف بينما يرتدي الحسين وأتباعه الملابس الخضراء، فكان هذا المشهد التمثيلي يظهر شجاعة الحسين ورجاله والآلام التي عانى منها النساء والشيوخ والأطفال من جهة، وقسوة الأمويين من جهة أخرى".[43])) وقد ظهر فن التعازي الشيعية منذ القرن السابع من الميلاد حيث دأب أتباع الحسين على التعبير عن تسلط الأمويين و اضطهادهم، وكان شعر التعازي هو أول ما نشأ للتعبير عن الخذلان الذي لقيه الحسين بن علي من شيعته بعدما تم التخلي عنه في آخر لحظة ليلاقي مصيره مع القلة القليلة التي استطاعت الثبات معه، وهذا ما يفسر عقدة الذنب التي بقيت عند الشيعة نتيجة خذلانهم للحسين. وتقام طقوس التعزية في مدينة كربلاء أوائل شهر محرم من كل سنة حيث يعم السواد والبكاء والنواح، وترتفع أصوات الحناجر منادية بشهيد كربلاء، ويتطور الأمر إلى حد إيذاء الأجساد، حيث يضرب الناس رؤوسهم وصدورهم بالسلاسل، وتبلغ الذروة يوم عاشوراء، " ولقد ظهر وازداد هذا اللون من النصوص في الأدب الفارسي في القرن التاسع الميلادي عندما قام سلاطين الشيعة بتشجيع هذا الاتجاه والعمل على تجسيده تمثيليا وبهذه الطريقة ظهر مسرح التعازي بوضوح في عهد معز الدولة أحمد بن بويه الدليمي سنة 302 هـ، 963 م الذي كان في بغداد عاصمة الخلافة العباسية، ولقد استقبل أهل بغداد من السنة هذا النوع من التسلية بنوع من البرود والغرابة واعتبروه نوعا من البدع الشيعية ووجدوا فيه ضربا من الكفر"([44]). وهناك مسألة أساسية تجب الإشارة إليها وهي مسألة استمرار هذه الطقوس والتعازي حتى يومنا هذا، فقد رأى كثير من المهتمين أن أهل السياسة هم الذين حرصوا على توظيف تلك الطقوس لخدمة مصالحهم السياسية عبر إضفاء طابع القدسية على تلك التعازي مما يجعل الناس يخضعون لها بكل مشاعرهم. ولا شك أن طقوس التعزية تحمل في طياتها فكرة المسرح الجوال، الذي يمكن إقامته في أي مكان، فهو خال من كل تعقيد إذ يقوم على إكسسوارات بسيطة يمكن نقلها لأي اتجاه، فمضمونه قريب جدا من مسرح الشارع الذي عادة ما يقع مثلما يقول باتريس بافيس " في الأمكنة الخارجة عن معمارية الأبنية التقليدية مثل : الشارع، السوق، المقهى.. وذلك رغبة منه في الالتقاء بالجمهور، ورغبة منه في البحث عن العلاقة الاجتماعية السياسية المباشرة"[45]).) ومع مرور السنوات وبتشجيع من رجال الدين تحولت هذه التعازي إلى ما يشبه المنبر السياسي الذي تنتقد فيه الدولة وللتعبير عن حالات الفساد المنافية للقيم الدينية، "وبهذه الكيفية اتخذت هذه الطقوس مثل حجة امتزج فيها الديني بالسياسي، تقام مع بداية شهر محرم على هيئة مواكب تحمل بيارق وأعلاما تلف الشوارع والحارات، وهي تهتف بشعارات مبطنة تطلقها حناجر البكائين المشائين معلنين عن حالة الندم التي تكلفهم في أغلب الأحيان حياتهم معتقدين أن صنيعهم هذا سوف يلين قلب الحسين عند عودته أو بعثه من جديد"[46]).) فالإحساس بالذنب والخطيئة ظلا ملازمين لشيعة الحسين على مر السنين فكانت هذه الطقوس إحياء للذكرى، وتزكية للنفوس ومحاولة للتكفير عن الذنب الذي تم ارتكابه في حق الحسين، إذن فإلى جانب الصبغة الدينية للتعازي، فهي تحمل في طياتها نوعا من الشفاعة وطلب الوساطة التي يعمد إليها الشيعة رغبة في محو الخطايا، " وهكذا تحولت هذه الطقوس من العاشورية بفعل حاجة الناس إليها إلى نصوص شعبية كتبت وطورت بروحية شعبية فلكلورية استطاعت ببلاغة لغتها وشفافيتها أن تثير وتخاطب أعمق العواطف وأقوى الأحاسيس عند الناس من خلال طقسها الديني الذي يخفي في منعطفا ته وظيفة اجتماعية سياسية وفنية"[47]).) ويشير د. محمد سيف إلى أنه انطلاقا من التظاهرات والفعاليات التمثيلية الشعبية ،"يمكننا أن نعترف بوجود نص درامي مصحوب بعناصر تمثيلية وإخراجية فطرية تحمل في طياتها بذورا مسرحية تقترب في بنيويتها من بنيوية المسرح الحديث، وفي الوقت ذاته يمكننا أن نعتبر التعزية كحدث شعبي، قد أنتج أول نص مسرحي عرفه تاريخنا المسرحي بشكل عام والعراقي بشكل خاص"[48]).) خيال الظل: إن الباحث في ميدان الفنون الشعبية، يجد نفسه أمام إشكالية كبيرة وهي صعوبة التأريخ لفترة ومكان ظهور هذا الفن الشعبي أو ذاك ومراحل تطوره، خصوصا حين نعلم أن كتبه السلاطين العرب قليلا ما اهتموا بالظواهر والطقوس الاحتفالية الشعبية وذلك لانشغالهم بسير وأخبار ساستهم. والسؤال يطرح هنا حول فن "خيال الظل "، وسؤال البحث عن المهد الأول الذي خرج منه هذا الفن الأصيل، إذ اختلف الباحثون في هذا الأمر، فمنهم من رأى أن جذوره الأولى تعود إلى الصين، ورأى آخرون أن الهند موطنه الأصلي.... لكن ليس المهم عندنا البحث عن النشأة، بقدر ما سنحاول الوقوف عند الامتدادات، لأن خيال الظل انتقل إلى مناطق جغرافية أخرى خارج موطنه الأول نحو الغرب والشرق الأوسط وقد اكتسب خيال الظل شهرة كبيرة لكونه فنا مسليا، وانتشر بشكل كبير في أرجــاء العراق ، " وساعده على ذلك سهولة تنقله وقلة احتياجاته الفنية وقبوله للتمثيل في العراء دون حاجة إلى إضاءة صناعية، وبالتالي أصبح في الإمكان مشاهدة هذا الفن بالليل أو بالنهار "([49])، ولهذا الفن الأصيل تقنيات خاصة به حيث يتم صنع الدمى من وبر الجمال وجلود الثيران والأبقار، وبسبب رقة هذه الجلود فإن الضوء ينفذ من خلالها. وفي العراق ارتبط خيال الظل ارتباطا وثيقا بالشعب، إذ كانت عروضه تؤدى في احتفالات المولد النبوي وعيد الأضحى ورمضان..، و يقول الدكتور فاروق أسعد في بحثه الموسوم "خيال الظل العربي": " إن النص الذي وصلنا من التراث العربي والذي أشير فيه إلى خيال الظل في العراق، أي ترجمة ابن خلكان لمظفر الدين كوكبوري (ت563 هـ ) قد وصفت فيه احتفالات المترجم له في أربيل شرقي الموصل بعيد المولد النبوي، يقال أنه أول احتفال بعيد النبي وكان احتفالا عظيما "([50]) ولا يستقيم الحديث عن خيال الظل في العراق دون الوقوف بمدينة الموصل التي كانت معقلا مهما لهذا الفن، إذ بها ظهر ابن دانيال الموصلي، ذلك الشاعر العراقي الذي عمل على النهوض بهذا الفن وتطويره، وتجلى ذلك من خلال ما يعرف ب "بابات" ابن دانيال الموصلي، لكن بعد سقوط بغداد على أيدي التتر والخراب الهائل الذي حل بأرض العراق آنذاك، لم يجد ابن دانيال بدا من الفرار نحو مصر، التي ستعيش بدورها تحت حكم المماليك. وقد كانت بابات ابن دانيال ذات وظيفة اجتماعية، تحمل في طياتها وعبر شخصيات إحالة على الواقع المعاش ومفارقته بأسلوب فني ساخر لا يخلو من لذعات النقد والوعظ، وقد أكدت العديد من الدراسات أن نصوص خيال الظل، " يمكن أن نعثر فيها على جميع عناصر بناء المسرحية الحديثة تقريبا، مثل الوحدات الأرسطية الثلاث : الموضوع، الزمان، المكان التي تمر عبره عناصر الإمتاع المسرحي كالحبكة، البداية الوسط والنهاية، الحوار، الصراع، وتنامي الفعل المدرك من قبل الجمهور بالاستجابة التي تملئ الفراغات المعرفية للنص من خلال التكهنات التي يسقطها الأحداث ساعة العرض" ([51]). ومن المؤسف أننا لا نجد أثرا لهذا الفن في واقعنا الحديث إلا القلة القليلة من النصوص التي تحفظ لنا البعض من أسراره ومعالمه، وقد زاد من اندثار هذا الفن قلة اهتمام العرب بثقافتهم، وانشغالهم بمحدثات الثقافة الغربية، هذه الأخيرة التي تولي اهتماما كبيرا للفنون الأصيلة أيا كانت ثقافتها ومنبعها، ويصدق الحال هنا على خيال الظل، إذ يشير الدكتور علي الراعي في كتابه " مسرح الشعب" إلى أن المركز الثقافي الألماني قد أقام عرضا على مدى ليلتين لفن خيال الظل، أشرف عليه الفنان ألفريد ميخائيل، " وقد أثار العرض انتباه المتفرجين أطفالا وكبارا وكان له وقع طيب في ألمانيا، كما سجل التلفزيون ضمن فقرات برنامج " تياترو"، وجدير بالذكر أن ألفريد ميخائيل بوحي من كتاب فنون الكوميديا، قد نذر نفسه لعناية بأمر فن الخيال، وحصل من جامعة فرنسية على إجازة الدكتوراه في هذا الفن"[52]).) فـــن الإخبــاري : يعرف الدكتور فاضل خليل هذا الفن أنه " مشاهد تمثيلية يمكن اعتبارها نوعا من أنواع (الفارس FARCE)، وتعني حوارا هزليا بين شخصين أو أكثر، تعتمد على الحوار المتهكم، والسخرية التي يتبادلها المتحاورون بعضهم البعض"[53]).) وقد نشط هذا الشكل الفني في بغداد أواسط وأواخر القرن التاسع عشر، فأصبحت له طرقا خاصة به، وانتشر في المقاهي والملاهي الموجودة في العاصمة العراقية بغداد، وقد أشار عبد الكريم العلاف في كتابه "بغداد القديمة" : " أنه كان يشاهد ليلا في قهوة التبانة في محلة الفضل رجلا هزليا يدعى ابن الحجامة، ومعه زميل اسمه منصور، وهما يقومان بتمثيل فصول مضحكة على جمهور من المتفرجين"[54]).) وقد كان لهذا الفن شعبية وجمهور كبيرين جعل منه شكلا لازما في معظم ملاهي وأفراح مدينة بغداد، كما نال ممثلوه شهرة وساعة النطاق لأدائهم التهريجي الذي ينطلق غالبا بعد فترة الغناء والرقص، " ولهذا يعتبر أكثر الباحثين أن الإخباري كفن تمثيلي كان بمثابة مقدمة منطقية دخول التمثيل الحديث في العراق، وذلك لاحتوائه على عناصر تمثيلية تكاد أن تكون متكاملة من حيث الحوار، الموضوع، الأزياء والإثارة، وكان يقدم أمام جمهور جاء خصيصا لكي يراه، ولولا الظروف الاجتماعية التي سادت في نهاية القرن التاسع عشر، والتي تفتقر لأهم مقومات الثقافة، لتطور هذا الفن وصار إلى حالة أفضل"[55]).) هذا دون إغفال ظواهر فنية عرفها العراق، والتي لا يتسع المجال لذكرها، كفن "القصحون" على سبيل المثال، والذي يعتبر بدوره من الظواهر ذات الطبيعة المسرحية، وكلمة " القصحون" تحيلنا على ذلك الحكواتي الذي عرف في العصر العباسي وبقي هذا الفن عصورا طويلة، " حيث كان القصحون يقدم مادته في الأسواق والمحلات العامة، حيث كان يحمل عصا يؤشر بها، مؤديا معها بعض الأصوات والحركات"[56]). ) الطريق إلى المسرح الحديث : أشرنا فيما سبق إلى بعض المظاهر الشبه المسرحية، والتي تنم عن وعي فني كبير عرفته حضارة بلاد الرافدين من القديم، لكن الظاهرة المسرحية في قالبها وشكلها الحديث لم يعرفها العراقيون إلا بعد إطلاعهم على التجربة الغربية في هذا المجال، فقد عرف عن سلاطين الإمبراطورية العثمانية اهتمامهم الكبير بالتمثيل والمسرح، فكانت بلاطاتهم وقصورهم مكانا تقام فيه العروض المسرحية و الفنية، وبما أن العراق ظل حتى القرن العشرين جزء لا يتجزأ من الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف، فإن هذا العامل ساعد بشكل كبير على تلاقح الثقافـتين العربية والتركية، وتشير المصادر إلى أن الأتراك « شهدوا مسرحيات شكسبير وراسين وموليير وغيرها وهي تمثل بلغتها الأجنبية، وقامت بعض الفروق التمثيلية التركية بترجمة وتتريك عدد كبير من المسرحيات وخاصة المسرحيات الفرنسية ومثلتها للجمهور التركي" [57])). فقد كان هذا الأمر عاملا أساسيا في اطلاع العراقيين على هذا الفن الراقي في صورته الحديثة. ولقد لعبت النهضة العربية الحديثة دورها الكبير في التأثير على الشباب العراقي، فأصبحت البلدان العربية قبلة للشباب العراقي المتحمس خاصة دول الجوار التي قطعت أشواطا كبيرة في طريق التحديث والانفتاح على الغرب بعد الحملة الفرنسية على مصر، فكان من النتائج المهمة لهذا التلاقح والاتصال انفتاح العرب على المسرح في ثوبه الأوربي، حيث عمل كل من مارون النقاش وأبو خليل القباني .. على الترويج لهذه الأساليب الحديثة في بلدانهم. ويرجع محمد سيف مسألة تعرف العراقيين على المسرح بشكله الحديث إلى مصدرين : " الأول : ارتباط العراق بالدولة العثمانية التي كانت عاصمتها تستقطب وتستضيف الفرق المسرحية الأوربية. الثاني: انفتاح العراقيين على ما يجري في الأقطار العربية المجاورة من حركات تنوير. ومثلما انتقل المسرح إلى تركية والبلاد العربية عن طريق زيارة الفرق الأجنبية لهذه البلدان، وسفر الرواد إلى الغرب، كذلك انتقل المسرح بنفس الواسطة، أي عن طريق السفر والاتصال بالمظاهر الثقافية والحضارية"([58]). ولقد لعبت المدن العراقية ذات الأغلبية المسيحية دورا هاما في تنشيط الحركة المسرحية العراقية، فمدينة الموصل مثلا بطوائفها المسيحية المتعددة كانت قاطرة لنقل المسرح بشكله الحديث إلى العراق، حيث كان العديد من المسيحيين الموصليين ينقلون التجارب المسرحية الغربية إلى العراق انطلاقا مما كانوا يعاينونه من نشاطات مسرحية في الأقطار الغربية التي كانوا يدرسون بها أصول الدين المسيحي، حيث لم يغب عن هؤلاء الإطلاع على ما استجد في الحركة المسرحية الأوربية ، نفس الشيء قام به الطلبة المسيحيون العراقيون عند دراستهم في كنائس الشرق الأوسط، بحيث كان لهؤلاء الرهبان العائدين " دور اجتهادي وتأسيسي في إحياء وتنشيط الحركة المسرحية العراقية، وذلك بتوظيفهم ونقلهم ما شاهدوه من تجارب تمثيلية أثناء دراستهم خارج القطر إلى الكنائس العراقية، فقد ذكر مؤرخوا هذه الفترة عددا كبيرا من الأسماء التي كانت سباقة في نقل وترجمة وتعريب النصوص المسرحية الأوربية، ومن بين أشهر هؤلاء الرهبان الذين تواصلوا مع المسرح بعد عودتهم، وأسسوا لبناته الأولى في العراق : الشماش حنا حبشي الذي قام باقتباس ثلاث تمثيليات : كوميديا آدم وحواء وكوميديا يوسف الحسن، وكوميديا طوبيا..."[59]). ) إذن كانت البوابة المسيحية سبيلا لتعرف فئة معينة من الشعب العراقي على الظاهرة المسرحية في شكلها الحديث. وقد شكل الإعلان عن الدستور العثماني سنة 1908 حلقة أخرى في طريق التفتح والمزيد من الحقوق والمكتسبات السياسية والاجتماعية، مع العلم أن طلائع القرن العشرين وما سبقها عرفت نشاطا ثقافيا مهما ساهمت فيه عوامل عديدة منها وصول المطبعة لأرجاء عديدة من الوطن العربي كبلاد الشام ومصر وما رافق ذلك من حركة الترجمة، ورواج للكتاب العربي في العراق، فكان الشباب العراقي متلهفا لمعرفة الجديد في الميدان الأدبي والسياسي الذي كانت تعرفه باقي الأقطار العربية. "ورغم بقاء النشاط المسرحي مسجونا خلف جدران المدارس المسيحية، فلقد اشتد وزاد في بغداد خلال هذه الفترة التي سبقت الحرب العالمية، ولقد كان من وراء عوامل ازدياده وانتشاره نضج الوعي السياسي والثقافي والاجتماعي والفني، وتأثر الحركة المسرحية بفعل عوامل النهضة الفكرية التي رافقت إعلان الدستور الذي فتح آفاق الاستجابة الجماهيرية على فن المسرح، وكشف عن أهميته في بث الروح الوطنية ولعب دور فعال في الحياة الاجتماعية والسياسية العراقية"[60]). ) من هنا بدأت تتجلى أهمية فن المسرح في التعبير عن ضمير الشعب العراقي، وبث روح الوطنية في صفوفه، مما دفع الصحف والمجلات العراقية لأن تسخر أقلامها للدفاع عن هذا الفن النبيل الذي سيعتمد بادئ الأمر على تلك الترجمات المسرحية سواء الإنجليزية أو الفرنسية، ثم ستتطور الأمور إلى مرحلة الإعداد والتأليف والإخراج. إلا أن الطارئ السياسي الذي حل بالعراق ممثلا في الاحتلال البريطاني سيجعل الأمور تتغير، ليدخل العراق فصلا آخر من فصول الكفاح ضد المحتل، ليتحول المسرح إلى أداة من أدوات المقاومة الفنية والفكرية الموجهة أمام الغزاة الذين ادعوا أنهم دخلوا لأرض العراق محررين لا محتلين، وما أشبه يوم دخول جيوش الاحتلال الأمريكي بغداد منذ سنتين، بتاريخ آذار 1917 يوم دخل الجنرال البريطاني " مود" بغداد، حيث أذاع هذا الأخير بيانا جاء فيه " إننا لم ندخل بلادكم فاتحين وإنما دخلناها محررين"[61]).) وقد أتى المستعمر الإنجليزي بفرقه المسرحية لتعمل على الترويح عن الجنود البريطانيين خصوصا وأن القتال كان يدور عن أشده بين الوطنيين وجيوش الاحتلال، ولقد ذكرت المصادر والكتب التي اهتمت بتدوين هذه الفترة من التاريخ أن المدارس اليهودية التي كانت في بغداد بعدما شاهدت عروض الجوقة التمثيلية الإنجليزية، قامت بتقليدها، وذلك بتقديمها مسرحيات باللغة الإنجليزية، « ويرجع الباحث والمؤشرف العراقي : أحمد فياض المفرجي تفرد المدارس اليهودية بهذا النوع من العمل إلى أمرين: الأول : أن اليهود كانت مدارس خاصة بهم تعلموا فيها اللغات الأجنبية ومسك الدفاتر. الثاني : أن الإنجليز كانوا يعتبرون اليهود من أنصارهم ومن المؤيدين لحكمهم في العراق فساعدوهم على دخول الوظائف"[62]).) فاليهود كانوا أشد الأعراق فرحة بالاحتلال الإنجليزي للعراق، الذي سيعمل على تمتعيهم بامتيازات عديدة دون سواهم من أطياف الشعب العراقي خصوصا في الإدارات والوظائف الرسمية، و " بعدما عرفت باقي الفئات والطوائف اهتمام اليهود الزائد بالإنجليز حاولوا أن يخلقوا حالة من التوازن كي لا تفلت من أيديهم الأمور لذا نشبت ردود فعل مثلما يحدث في كل مرة تختار فئة من الفئات محتلا لكي تحتمي به، ولكن هذه المرة نشأت ردود فعل فنية وثقافية وليست عدائية، وتكمن ردود الفعل في توجه مدارس المسلمين ومنتدياتهم إلى تشكيل فرق للتمثيل، تولت أمر تقديم العروض المسرحية المستمدة من التاريخ العربي "([63]). وهذا أمر يدل على نمو نشاط الحركة المسرحية بين مختلف طوائف الشعب العراقي حيث سيصبح أداة للتعبير والمقاومة، ولم يعد مقتصرا على المسيحيين أو اليهود، بل نال اهتمام الجماهير العريضة التي سترى فيه سلاحا أساسيا للدفاع عــن حقوقها وتبليغ كلمتها، " فالجمهور آنذاك كان متعطشا للمواضيع الوطنية والقومية التي تزرع في نفسه الثقة التي فقدها بسبب الإستعمارات المتواصلة والوعود الكاذبة التي يتلقاها في كل مرة من المستعمر العابث بقدراته وخصوصياته، فالحلفاء مثلما هو معروف لدى الجميع قد أخلوا بوعودهم، فقسموا الشام والعراق وليبيا، وصار حلم القومية العربية في خبر كان، ولم يبق أمام الشعراء والكتاب والفنانين سوى التغني به من خلال لغة التمجيد والتعبير والرمز التي كانت تثير حماس الناس وتلبي رغباتهم المكبوتة"[64]).) لذا كان من اللازم ظهور الحركة الوطنية كرد فعل على الاحتلال، لتكون هذه الفئة حاملة لقيم الحرية والتحرير وزاد من ضراوة مقاومتها مقررات مؤتمر سان ريمو، حين " أعلن الانتداب البريطاني على العراق في 10 أيلول 1920، ولقد كانت ردة الفعل العراقية عنيفة، وذلك لأن الشعب كان ينتظر الاستقلال والحكم الوطني، وما دامت الرياح تجري بما لا تشتهيه السفن، فلم يبق أمام الشرائح الاجتماعية العراقية إلا الخيار الأخير وهو انتزاع الاستقلال بالقوة "[65]).) وقد جاءت ثورة العشرين كرد فعل شعبي عراقي على الاحتلال الإنجليزي، وشارك في هذه الثورة مختلف طوائف الشعب العراقي ممن أنهكهم ظلم الاحتلال. " فـفي 30 حزيران هاجمت قوى شعبية عراقية حاكم الرميثة البريطاني، و أفرجوا عن أحد زعمائهم المدعو " شعلان أبو الجون" بالقوة، فاعتبرت هذه الواقعة بداية للثورة، وقد توالت محاصرة الحاميات البريطانية في معظم منطقة الفارات الأوسط وأنزل العراقيون ضربة مؤثرة، وهكذا انتشرت الثورة في محافظات بغداد وكربلاء و بابل و النجف والمثنى وذي قار والقادسية والأنبار وديالي. ولقد تكبدت القوات البريطانية خسائر فادحة بالأرواح والمعدات بلغت حوالي ألفين وخمسمائة شخص بين قتيل وجريح، وخسائر بالأموال ناهزت أربعين مليون باون استرليني"[66]).) وأمام ضراوة الثورة الشعبية وشدتها سعت بريطانيا إلى تقديم تنازلات عديدة سعيا وراء امتصاص غضب وفورة الشارع العراقي، فعملت على تشكيل حكومة وطنية يترأسها فيصل بن الحسين الذي فقد عرشه بسورية ليتم تنصيبه على عرش العراق سنة 1921. هذه الأحداث المتلاحقة أتت ببعض أكلها في الجانب الثقافي بعد الركود الذي أصاب مختلف الميادين حيث " انتبه الشباب المثقف آنذاك إلى ضرورة نشر الثقافة الحديثة واستخدام العلم والفن كسلاح في معركتهم مع المحتل، ومع بداية الحكم الوطني في البلد اتسعت دائرة النشاط الاجتماعي والثقافي والتمثيلي، واتجهت إلى غايات وأهداف تختلف عن غايات النشاط الذي كانت تقوم به المدارس الدينية المسيحية " ([67]). وهكذا أخذت الحركة المسرحية تعيد بناء نفسها من جديد لتخرج من ضيق المدارس إلى سعة الشارع والمجتمع حيث تجلى بالملموس دورها الكبير في حركية المجتمع، لهذا ظهر اهتمام الحركات والهيئات السياسية بالمسرح كوسيلة فعالة لبث الوعي والفكر التحرري، هذا علاوة على الأحزاب السياسية التي نشأت ونذكر منها ، حزب النهضة العراقية، الحزب الوطني العراقي، الحزب الحر العراقي... والتي عملت من جانبها على تنوير الفكر العراقي وإشاعة فلسفة الحرية. وكان من الطبيعي أن ينتبه رجال الحركة الوطنية لدور المسرح في تلك الفترة الحرجة، وهنا يشير حقي شيـلي أن " أول فرقة مسرحية تأسست في بغداد هي التي أسسها الحزب الوطنـي عام 1921" ([68]). ومع توالي السنين سيتوالى ظهور الفرق المسرحية " ففي عام1923 تكونت فرقة تمثيلية من طلاب مدرسة " التفيض" الأهلية التي مثلت في ذلك الوقت مسرحية ( في سبيل التاج وجزاء الشهامة). ولقد حذت مدرسة الاليالنس الأهلية حدوها، وشكلت فرقتها التمثيلية الخاصة، واشتركت فرقة مدرسة التفيض مع فرقة المدرسة الجعفرية التي تألفت بعدها بمدة وجيزة في إنتاج تمثيلي مشترك سنة 1924، وفي تلك السنة نفسها تألفت فرقة تمثيلية أخرى باسم مكتب التقدم التمثيلية" ([69]). و من الطبيعي أن تحمل تجارب هذه الفرق المسرحية بعضا من أخطاء البداية، خصوصا ونحن نعلم الحالة التي كان عليها العراق حيث الاحتلال والتقتيل ومصادرة حقوق التعبير والعيش الكريم... وهذه الفرق وغيرها لم تكن تملك عندئذ خبرة عميقة بشؤون المسرح الحديث، وكان اقتحامهم للمسرح مغامرة محفوفة بالحواجز والعقبات، وقد شكل الاقتباس والترجمة المنبع الأول للعروض المسرحية آنذاك. ولا ننسى الإشارة إلى أن الظاهرة المسرحية بشكلها الحديث كانت غريبة على المجتمع العراقي الذي اعتاد على الأشكال الفرجوية الشعبية، فالشكل الجديد إذن غريب عن ذهنية الناس، بل وهناك من سيعتبره مظهر من مظاهر الغزو الفكري والثقافي الأجنبي للعراق، مما سيتطلب جهداً مضاعفا من القائمين به من أجل محو هذه الصورة أولا ، ومن أجل تطويره ليساهم بفعالية في معركة التحرير والتطور والفن . وكان لزيارة فرقة جورج أبيض المصرية للعراق سنة 1926 أثر كبير في تنشيط الحركة المسرحية، حيث قدمت عروضها بعدة مدن عراقية، وكانت دافعا معنويا كبيرا للعراقيين شجعهم على المزيد من العمل والمثابرة، وتوالت بعد ذلك زيارات الفرق المصرية، وسيظهر في عشرينيات القرن الماضي اسم كبير يدين له المسرح العراقي بالشيء الكثير، ونتحدث هنا عن الفنان حقي شبلي الذي يعتبر بحق رائد المسرح العراقي آنذاك، حيث عمل هذا الرجل على تشكيل أول فرقة مسرحية محترفة سنة 1927، "اشترك فيها إلى جانب الفنانين العراقيين نفر من الممثلين السوريين والمصريين، وساهمت هذه الفرقة في تعريف الجمهور العراقي على الفن المسرحي وأصوله الحديثة، وتوالت زيارات الفرق المسرحية من بعد، فجاءت فرقة فاطمة رشدي عام 1929، ومن تم الاتفاق بين الفرقة والأستاذ حقي الشبلي على أن ينضم إليها، فسافر إلى مصر للعمل والتدريب تحت إشراف عزيز عيد. وظل الشبلي بمصر في سفرته الفنية هذه ما يقرب من العام.. ثم سافر إلى فرنسا عام 1935 للدراسة، فلما عاد عام 1939 أسس قسما للتمثيل في معهد الفنون الجميلة، وأخذ على عاتقه إعداد الممثلين والمخرجين.." ([70]). ولما كان للعراقيين إرث ثقافي وفني، ممثلا في الظواهر الشبه مسرحية كخيال الظل والقراقوز... والتي كانت منتشرة في ربوع العراق، ومعرفتهم بالأداء الدرامي ممثلا في تلك السير الشعبية التي كان يرويها الرواة الشعبيون في الأماكن العمومية والمقاهي، " هذا التراث التمثيلي الشعبي انظم كله في تيار وجداني واحد حفر لنفسه مجرى واضحا في النفس العراقية وغرس فيها فكرة المسرح والعروض المسرحية، فلما جاء الوقت الذي عرف فيه العراق المسرح المكتوب على الطريقة الغربية كانت الأرض ممهدة لقبوله ".[71]) ) وازدادت بعد ذلك حركة الترجمة والاقتباس فترجمة مسرحيات فرنسية عديدة ومثلت في أنحاء متفرقة من العراق، مما ساعد على انفتاح الجماهير على المسرح في ثوبه الجديد، هذا المولود لم يكن ليلج البيت العراقي - وكما أشرنا لذلك من قبل - دون أن يتعرض للطعن والنقد من طرف المعارضين لكل أشكال الغزو الحضاري الغربي، لهذا تعالت الصيحات للرجوع إلى معين التراث، والنبش فيه للبحث عن شكل درامي ينبع من أصول الثقافة العراقية بعيدا عن الأشكال الغربية المستوردة، والتي تحمل بصمة الاحتلال والتبعية. إلا أن الدور الكبير الذي لعبه المسرح ممثلا في التعبئة السياسية والحض على القيم الحضارية، يسر له سبل الاستمرار والنمو، وفي خمسينيات القرن الماضي برزت للوجود أسماء جديدة في المسرح العراقي محاولة ترك بصماتها وحمل لواء البناء والتجديد. و برز هنا اسم يوسف العاني، « الذي كان يعتمد في مسرحياته على النبرة الواقعية والنقد الاجتماعي، ويشكل عام 1955 مرحلة مهمة من مراحل تطور العاني. ففي هذا العام كتب مسرحيته المعروفة "أنا أمك يا شاكر" ودخل بفنه بقوة وجسارة ودون موارية في الحركة الوطنية التي كانت تدور في العراق إذ ذاك لتحقيق التحرر الوطني على الصعيدين الداخلي والخارجي"[72]).) وتنم هذه المسرحية عن وعي سياسي كبير ينزع نحو الانتصار للثورة الوطنية وقيمها النبيلة، ولعل الشيء الذي جعل فترة الخمسينات تشكل منعطفا نوعيا في مسار المسرح العراقي هو عودة الرائدين حقي الشبلي وجاسم العبودي، اللذين عملا على ترسيخ مبادئ الدراما بمفهومها الحديث، وكذلك تكريس مناهج والتكوين المسرحي الأكاديمي، " الشيء الذي ساهم في ترسيخ مفاهيم علمية جديدة مهدت فيما بعد لظهور تجارب وأسماء مسرحية جريئة أغنت المشهد المسرحي العراقي بأعمال مسرحية حاولت استلهام مرجعيات تراثية ورموز تاريخية وخلفيات أسطورية وإعادة توظيف دلالتها من خلال رؤيا معاصرة تمتح من تيارات وتجارب المسرح الغربي كالملحمة والوثائقية والتسجيلية والواقعية الاشتراكية والرمزية وغيرها"[73]).) ولعل من الظواهر البارزة في تاريخ المسرح العراقي ما عرف بمسرح الحرب، وهذا النوع من المسرح يكون ظرفيا، إذ يرتبط بفترة معينة، وهو يلعب دور شحذ الهمم و تعبئة وتحميس الجماهير كما يبدو من خلال الاسم الذي أطلق على هذا المسرح. وكما هو معلوم فإن أرض العراق ظلت عبر الزمن أرض الانتفاضات والثورات وكانت خشبة المسرح تعكس كل ذلك. وتيمة الحرب موضوع قديم في المسرح العراقي حيث تناوله المسرحيون العراقيون منذ أواخر القرن 19، " فقد تناول موضوع الحرب والفتوحات " الخوري هرمز نرسو"، وهو كلداني من منطقة ماردينا بوضع مسرحية " بنوخذ نصر" عام 1889 وهو أقدم نص عراقي تناول موضوع الحرب، ثم ثلاه سليم حسون بتأليف مسرحية : " استشهاد نارسيوس عام 1904، وكتب " المطران جرجس قندلا " مسرحية الأميران الشهيدان"[74]).) و قصدنا هنا بالإشارة إلى مسرح الحرب في العراق، هو الوقوف عند المسرح العراقي في ثمانينات القرن الماضي، فمعلوم أن العراق خاضت حينها حربا طاحنة ضد جارتها إيران، فهذه الحرب لم تغب عن خشبة المسرح العراقي إذ كانت رافدا للمزيد من الأعمال الدرامية، غير أن الأعمال التي تم إخراجها أثناء هذه الحرب قد تجعل هذا النوع من المسرح خاليا من التدبر والتمعن الذي يمكن أن يقي هذا العمل من كثير من النواقص التي قد تشوبه، فظرفية الحرب، " تجعل العمل سريعا دون أن يمر بحالة متأنية وموضوعية فيبرق ثم يختفي بريقه على عجل ، وأقرب النماذج إلينا المهرجان الثاني للاتحاد العام لنساء العراق في بغداد عام 1981 والذي كرست عروضه للمعركة التي يخوضها العراق ضد الفرس العنصريين فكانت نماذج مسطحة خالية من الفعل "[75]). ) وبذات المعنى، " كتب عبد المطلب السنيد واخرج مسرحية "الخندق الواحد- بيت المنتصرين" ، وقد قدمها إلى طلبة أكاديمية الفنون الجميلة عام 1981، لتكون مساهمة في دعم المعركة، ولم نجد في هذا العمل عملا مركزيا، بل مجموعة مشاهد غير متماسكة، ثرثارة، تغيب عنها قوة الإبداع، وقوة المنطق، لذلك جاءت فجة قميئة أمام حرب يشتعل لهيبها عاليا "[76]).) وستكون لهذه الحرب الحارقة سلبياتها العميقة على جميع المستويات إذ أنها ستنهك حالة العراق الاقتصادية والاجتماعية والفنية كذلك. وعندما كان العراق يستجمع قواه، سيدخل مغامرة أخرى وهي غزو الكويت في مستهل التسعينات، فكانت النقطة التي أفاضت الكأس، وألقت بالعراق في دوامة الحصار، فعم الاضطراب مختلف القطاعات ، فالحصار والحضر الاقتصادي وتخريب البنيات الاقتصادية والعسكرية كان من أهم نتائجه على المسرح العراقي ظهور تيار المسرحية البكائية التي يرى عبد الخالق كيطان أنها " أخطر ما في مسرح التسعينات من تخريب مباشر للذائقة الجمالية وقد اندرج سهوا أو بتخطيط مدروس ضمن تيار المسرحية التجريبية... وتيار المسرحيات البكائية، هذا هو من أهم إفرازات واقع الحصار المفروض على العراق، وفاق تأثيره السلبي على الذوق العام، وعلى تردي الظاهرة المسرحية في العراق تيار المسرحية الاستهلاكية التجارية"[77]).) وساهمت هجرة العديد من رموز المسرح العراقي نحو المنافي في غياب التعددية في المسرح، وبالتالي غياب رموز فنية أغنت الساحة الفنية العراقية لسنوات عديدة مما أسس لسيادة الذوق الواحد وهو ذوق السلطة التي وجدت في المسرح الاستهلاكي دعما لمواقفها، ورغم تلك العروض النوعية التي عرفتها فترة التسعينات، إلا أنه بالمقابل " غابت وجوه وأجيال متعددة، وغابت التعددية، وتدهورت الأساليب، وتراجعت التقاليد المسرحية، وتحت ضغط المعيشة وغياب المرفق الثقافي الواضح، ازدهر المـسرح الاستهلاكي وازدهرت معه الدراما التلفزيونية السـاذجة واهـــتزت العـلاقة بـين الجمهور والمسرح الحقيقي وارتبكت"[78]).) وعملت مسرحيات الفترة على إدانة العدوان على العراق، وحشو النصوص بجمل رنانة تستثير مشاعر المشاهدين و تذكر بمحن الشعب العراقي من جراء الحصار وتبعاته، وبهذا تقاطعت أهداف هذه المسرحيات مع أهداف السلطات ووجدت في مسرحيات: " فلاح شاكر، قصة حب معاصرة ، مائة عام من المحبة ، أعالي الحب، الجنة تفتح أبوابها متأخرة ، ومسرحية أكتب باسم ربك خطاب السلطة ذاته الذي يدين الحصار دون أن يبحث عن السبب الذي أوجده، كما يدين الصمت العربي عليه ويوجه أصابع الاتهام أن الولايا المتحدة الأمريكية و باستمراره وتجد أيضا المزيد من خطاب المنائح حول أطفال العراق ونقص الحليب"[79]).) من جهته عمل الإعلام العراقي على الترويج لهذه المسرحيات لتحقق أهدافها على الصعيدين الداخلي والخارجي، فهي تلعب دورها في كسب تعاطف الجماهير العربية التي ساندت القضية العراقية على اعتبار أن العراق يخوض حرب إبادة منظمة من طرف التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة وبريطانيا، "وبعد ترسخ تيار المسرحية البكائية عبر عقد من السنوات والعديد من العروض التي عدها الإعلام الرسمي للنظام ناجحة، لم يجد الرئيس العراقي صدام حسين بدا من مدح تلك العروض فشاهد بتأثر بالغ، مسرحية " اكتب باسم ربك" وقرر أن توفد المسرحية إلى أكبر عدد ممكن من العواصم العربية والأجنبية "[80]).) التسعينات ومسرح العبث في العراق. تزامنا مع الحصار والوضع السياسي والاقتصادي المأزوم، إضافة إلى ركود الحياة الثقافية، ظهر بالعراق نوع جديد من الدراما وهو ما يعرف بمسرح العبث أو اللامعقول. ولمعرفة خصوصيات هذا المسرح الجديد وجذوره الأولى، علينا الرجوع إلى تلك الأسماء الكبيرة التي ساهمت في بناء هذا الاتجاه الجديد ونذكر هنا، جان فيلار، روجيه بلان، جان ماري سيروه... وغيرهم ممن أعلنوا تمردهم على الواقعية والعقلانية، وساهموا بشكل جلي في انتشار أسماء جاءت من بعد كصامويل بيكيث، وجان جينية وأداموف... وقد أثرت الحرب العالمية الثانية ونتائجها الكارثية على الاتجاه الذي ستسلكه هذه الجماعة من الفنانين المسرحيين الذين جاؤوا بأفكار طليعية شكلت سابقة في تاريخ المسرح العالمي إذ تمت الدعوة إلى رفض القواعد الكلاسيكية التي ألفها العرض المسرحي منذ القديم، خاصة فيما يتعلق بوحدة الزمان والمكان والحدث، وانصب الاهتمام على عناصر جديدة لم تكن ذات قيمة حقيقية من قبل كالأصوات والصرخات والأغاني، وبدأ الابتعاد بشكل تدريجي عن سلطة النص، ومن سمات هذا المسرح كذلك أن المكان والزمان غير محددين إضافة إلى قلة الأحداث وانعدام الخاتمة في كثير من الأحيان. ويبقى للمتفرج دوره الكبير، فهو يفسر العرض بمنظاره الذاتي. كما تتحرر الشخصية من قيد الانتماء والتعيين، فقد نجدها بلا هوية ولا اسم، ويذكر أن "أداموف" قد أطلق على أحد شخصيات مسرحيته" المحاكاة التهكمية" اسم" N" ، وهو بذلك يختصرها في حرف واحد. ويرى الدكتور سعد إبراهيم أن من أهم الخصائص المميزة لهذا المسرح هي الحوار، الذي غالبا ما يعتريه الغموض وغياب الترابط والتجانس إضافة على أن "كل شخص من المسرحية تتحدث دون أن يتمكن أحد منهم من فهم الآخر، ولا من توصيل رسالته إلى الآخر، الحوار دائما مبتور، ولا تستطيع الشخصيات توصيل رسائلها، وقد بالغ كتاب العبث فجعلوا بعض الشخصيات تتكلم ربما كلمة أو كلمتين منذ نهاية المسرحية، تلخص السخط العام والغضب الشديد".([81]) ويدين مسرح اللامعقول بالشيء الكثير للفنان الكبير صامويل بيكيت الايرلندي الأصل الفرنسي الجنسية. فقد حاول هذا الفنان المسرحي أن يكتب مسرحا يبرز فيه موقفه من الوجود والحياة ويعكس من خلاله ذلك التوتر العنيف الذي عاشه الشباب الأوروبي بعد هول ومآسي الحرب العالمية الثانية والتنديد بها. وصامؤيل بيكيت من مواليد جمهورية أيرلندا سنة 1902، خلف وراءه أعمالا مسرحية رائدة لعل أشهرها على الإطلاق مسرحية " في انتظار غودو" ، كما كتب أعمالا أخرى نذكر منها "نهاية اللعبة" ، "الأيام السعيدة" ، ومن مميزات مسرح بيكيت "معالجة تفاهة الكون والوجود الإنساني وحقيقة الفراغ، وسقم الصراع بين التفاهة والوصول إلى هدف معين في الحياة، وعدم وجود معنى مهما يكن هذا المعنى هزيلا سقيما. والتوكيد على هزلية الحياة، واعتبارها لعبا ولهوا، والاقتصار على هذا اللهو واللعب". ([82]) " وكل مظاهر الحياة عند بيكرت ليست غير ولادة وفراغ وموت، ومن تم فالعبث هو ظل الحياة الظليل، هو الوجود نفسه، بسقمه وقماءته وشروره، هو الميسم الذي يسم كل شيء في هذه الحياة. ولهذا السبب فإن بيكيت لا يصارع في مسرحه الشر بصفته طابعا سلبيا في الحياة بل يعادي الحياة نفسها باعتبارها دملة كبيرة في هذا الوجود، في الكون والعالم وفي الإنسان نفسه".([83]) وقد نال هذا الفنان شهرته الواسعة بعد مسرحيته الشهيرة "في انتظار غودو" ، تلك المسرحية التي اتسمت بالغموض. وانعدمت فيها العقدة والحل، وتركت جدلا واسعا في صفوف النقاد والباحثين، " فهي خير مسرحية كتبت بمداد اللامعقول. لأن مؤلفها بقدرته الدرامية استطاع أن يشد ذهن المشاهد والقارئ شدا غريبا على الرغم من عدم وجود مضمون معقول في المسرحية، وعلى الرغم من بشاعة جوهر وقتامة تطورها، وتفاهة شخوصها وسطحية وجودها".([84]) فهذا العمل الدرامي أسال الكثير من المداد، لأنه خالف المألوف وجاء بالمغاير، وقد استطاع صامويل بيكيت بدهائه الكبير أن يترك خلفه "ظاهرة أدبية وفنية مهمة ومؤثرة، ومثيرة للجدل، اسمها العبث أو اللامعقول، وكان رائد هذه الجماعة التي ثارت على كل ما هو مألوف سائرة في طريق العبث دون اهتمام بعامل الزمن. ولم يكن العبثيون في واقع أمرهم مدرسة أو جماعة، وإنما مجموعة من المفكرين والكتاب غلبت على مشاعرهم وأحاسيسهم صفات تشابهت وظهرت في كل كتاباتهم الأدبية خاصة المسرحية منها".([85]) وقد فرض مسرح العبث نفسه على الساحة الأدبية العالمية، وشكل إضافة هامة للموروث الثقافي الإنساني، وقد خلص التقييم للنتاج المسرحي في القرن الماضي من طرف النقاد إلى اعتبار مسرحية "في انتظار غودو" لصامويل بيكيت، أفضل عمل مسرحي عرفه ذلك القرن، هذا إضافة إلى أن بيكيت حائز على جائزة نوبل للآداب تقديرا لجهوده الضخمة في خدمة الأدب. وإذا كان مسرح اللامعقول رديفا للتمرد والإطاحة بالأنظمة الكلاسيكية في الدراما، فإنه لا يقف في حد الهدم، "بل يعيد البناء فوق ما هدمه، وإذا نظرنا إلى جانبه الإيجابي وجدنا أنه يرسم أساسا لوحة للمصير الإنساني، خاصة قلق البشر، والمعركة غير المتكافئة التي يخوضها ضد عالم يسوده العبث، ولا يمكن أن يرضي تطلعاتهم العميقة، أو يجيب على التساؤلات التي تلح عليها".([86]) فما من شك أن العالم المأساوي الذي عاشه الإنسان الأوروبي وقتئذ، ساهم بشكل كبير ومباشر في الدفع نحو هذا النوع من الدراما، والتي تعمد في كثير من الأحيان إلى الخلط بين الكوميدي والمأساوي بطريقة مفتعلة، "فما دام العالم الذي يصور، عالم خلى من أي شيء مطلق، لا يمكن أن توجد فيه كوميديا خالصة، أو مأساة خالصة، لأن الكوميديا مأساوية والعكس صحيح، والكائن البشري يثير الشفقة والضحك في آن واحد، فالعالم الذي يعيش فيه لا معنى له، وهذا أمر مأساوي".([87]) فقد أيقن فنانوا اللامعقول أن المبادئ التي سار عليها الإنسان الأوروبي قد اهتزت بشكل عنيف بعد الحرب العالمية الثانية، وبالتالي فقد أصبحت متجاوزة. "بل إن مسرح العبث نفسه وكثيرا من نماذج مسرح الغضب كانت تعبيرا عن أزمة الإنسان في أوروبا الغربية الذي أصبح يواجه عالما خلا من القيم التقليدية التي أصبحت غير صالحة لأن يبني عليها حياته ، ولم يخلف هذا العالم قيما جديدة تحل محلها".([88]) وساعد التطور الهائل الذي عرفته التكنولوجيا الحديثة في تباعد المسافة بين الإنسان الأوروبي والقيم القديمة، لأن هذه التكنولوجيا بطابعها المادي الميكانيكي، لا تنتج لنا قيما روحية بقدر ما تساهم في توسيع الهوة بين ما هو مادي وما هو إنساني "وبالتالي نحا المسرح المعاصر نحو تصوير الفوضى وانعدام القيم أو المنطق الذي نشأ في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وانعكس ذلك على أشكال البناء المسرحي، فأصبح البناء التقليدي غير صالح لتصوير هذه الرؤيا الجديدة، إذ كيف يعبر بناء عضوي منطقي عن رؤيا يسودها انعدام المنطق وانعدام السببية في الأشياء".([89]) بشكل عام تناهض دراما اللامعقول النزعة الواقعية في العمل المسرحي وكل المفاهيم الراسخة ، وهو مسرح يرفض القيد، وقد تعرفت الجماهير العربية على هذا المسرح عن طريق الترجمات، خاصة ترجمة كتابات الإيرلندي بيكيت والروماني يونسكو. وسنقف عند البعض من خصائص دراما اللامعقول في العراق من خلال تحليلنا لمسرحية "للروح نوافذ أخرى" ،للفنان المسرحي العراقي قاسم مطرود. كان هذا الفصل إطلالة على المشهد المسرحي في العراق والتي من خلالها حاولنا الوقوف عند البدايات الأولى لظهور هذا الفن ، فتوصلنا إلى حقيقة أن بلاد الرافدين هي أرض حضارة وفن عريقين، وأن الفن هناك له جذور ضاربة في التاريخ، تم تتبعنا تطور الظاهرة المسرحية في شكلها الحديث وكيف تطورت ونمت في هذا البلد، حيث لعبت المثاقفة مع الغرب، ودول الجوار عاملا حاسما في تشكيلها... و سنعمل فيما يلي على الوقوف عند أحد المكونات الرئيسية في المسرح الحديث وهو المخرج المسرحي، فكيف ظهر فن الإخراج في المسرح العراقي ؟ ومن هم أهم أعلامه ؟ |
|||||||||||
![]()