|
قراءة
متأخرة
في الحزن العراقي
علي شايع
مرّت
أشهر على العرض
المسرحي الجرافات لا تعرف الحزن للمخرج احمد شرجي، لكنه بقي في ذاكرتي
بقوة، قوة
الحزن حين يصبح أداة
للتعبير، ويأخذ بقوته حصانة فاعلة لا تزول بزوال لحظته، ولعل
مثل هذا الحزن العراقي
يختار من كل حكايا الأرض ما يلائم أوجاعه مزايدة وإمعانا
بترديد حكاية النفي
والاغتراب والسؤال الأكبر .
يقول
الباحث العراقي الدكتور علي الوردي توصيفاً لصلة
العراقيين بالحزن: "
من تموز إلى الحسين، لأهل العراق حكايا في الحزن ستستمر
وتتكرر".
وحتى
يتقولب هذا الحزن في كل ذات عراقية، بشكل تعسفي أحيانا ليلائم سرير بروكوست
تلك الشخصية الأسطورية حيث كان
يضع ضحاياه على سرير ثابت الأبعاد؛ فإن
كانوا أطول قطع أجسامهم، وإن أقصر
مطهم ليصبحوا بطوله،
وإن كانوا بطول السرير تماماً أطلق سراحهم ونجوْا من
الموت.بمثل هذا القالب
أراد المؤلف أولا أن يمدد ذواتنا في مستوى عالٍ من وعي
أسطورة التعامل
واختيار الحل الأمثل اعتسافاً، ارضاخنا وتفصيل مشاعرنا وفق مقياس
الحكاية.. الحكاية
التي لحظة تناولها المخرج احمد شرجي على المسرح إخراجا استثمر عبرها أداة
الحزن تلك بقوة.
أمكنة
وأزمنة متداخلة وأناس
يبحثون عن مستقر.. هكذا أراد مؤلف العمل لهذه الحكاية أطارا
وهيكلاًً.. بيئة العرض
أشجار جرداء وصندوق بريد كبير كتابوت، وأشياء أخرى فجّرها
المخرج احمد شرجي في
روح النص من موت المؤلف وإلغاء نفوذه، ليتحرك في مساحة هي
ذاتها سرير الحزن فأتخذه منطلقا لها كونه يكرر:"الحديث عن الخريف والموت
وعن هذه
الدكة التي لم تضجر من تكرار الأحزان ".. كتابة مطرود للنص كانت تأسيساً
واعياً..وتجلياً تجريبياً بقي ثاقب الرؤية وأضاء للمخرج جسداً وهيكلاً آخر
بما يشبه النص الجديد المولّد..الذي أراده وعمّق به رؤى الحكاية الحزينة..
وبقدر ما كان الحزن مرجعية شاملة تأخذ
الأفعال منها تسلسل
هذه الحكاية التي تبدأ برجال غابت عن قلوبهم الشمس، كانت انكسارات
ذلك العجوز"ضحية
الجلاد الأزلية" تحت تعذيبهم رمزا للشموخ وتوقا للنجاح.. الحزن الذي ما
أراد
لنا المخرج من خلاله أن نكون محايدين أو نكتفي باستحضار الانفعال
المجرد.لقد
تعامل بمفردات جديدة في تداخل الزمن "الذي يُشبّ،هه الضحية بصندوق كبير
مددوا فيه
عمره" بين الابن السياسي الهارب والأب السجين ومن مكابداته لغربة جديدة
تبدأ
بموت الزوجة ودورة الزمن ألكابوسي وتناميه. استفاد احمد شرجي بعمق ووعي
كبير من هذا
التداعي في حكاية
الفصل الواحد المضغوطة والمكتوبة بحبكة درامية غير يسير جمع
أطرافها لعيون
الجمهور. لكن احمد استخدم أدوات كثيرة واستند إلى خلفية موسيقية
ناغمت أوجاع العجوز
المتلاطم في جنبات المسرح، مكان وضع ستار كاووش لمسات ديكور
كانت في صميم
العمل.وهبوط الجلاد من شاشة العرض السينمائي إلى المسرح بحركة ذكية غير
مسبوقة أراد خلالها
الاستفادة من وحدة الرؤية هذه،الحركة التي أخذت من اللحظة العراقية في زمن
السجن كل
إمكانياتها للحدوث
وسوريالية
تلك المواجهة اليومية من دون تكيف إذعاني للواقع
الدكتاتوري وجلاديه بل
نقض له والبحث عن دروب لإدارة مجابهته حلماً وأيا كانت شروطه
وبساطة أدواته.
يرد في
قصة أليس في بلاد العجائب حوار بينها وبين "هامتي دامتي"،
تقول أليس: "القضية هي
ما إذا كنت تستطيع أن تجعل الكلمات تعبر عن كل هذه الأشياء
المختلفة…؟! في تعجب
شديد يجيب هامتي دامتي: "القضية هي من الذي سيكون له الغلبة،
وهذا كل ما في الأمر"
… لم تعد الكلمات تقول كل شيء،وهي كذلك بوصف هذا الحزن العراقي الهائل
حتى يتداعى المؤلف
بالقول : " إني لا أحسن البكاء انهاري جففها الرصاص". وبتمعن في
استيعاب واقع الاغتراب
واحتواء مفرداته.
ولكي
يؤطر سؤال المؤلف بمنظومة فنية وهندسة
مسرحية أجاد فيها هو
كممثل واستفاد بشكل كبير من وجود المخرج المسرحي هادي الخزاعي
معه.
وفي رؤية
درامية شاملة للعمل حاول أن يستثمر كل مساحة المسرح والمساحة في
ذهن الحضور من أسئلة
وأفكار لجأ خلالها بترتيب منظورات متجددة ومتبادلة.. ما لبثت
أن وصلت إلى محطاتها
عبر هذا الحوار الحاذق، مفصحة عن نضج رؤية المخرج وابتعاده عن
طرح السطحي لموضوعة هي
من يوميات المدرك العراقي في المنفى.أسس للحكاية تكويناتها الحركية التي
تعدّت الجهات الأربع إلى جهة قادمة من البعد الرابع... البعد الذي هبط منه
الجلاد إلى المسرح.. احمد شرجي أراد الوصول إلى قول العلاقة التي أسسها
بأدواته متحركاً حتى النهاية المفتوحة على أفق الاغتراب هذا.
|