مزج الغثيان ..بالحزن ..بالبكاء الناشف
 ضياء يوسف

قراءة لمسرحية " أحلام في موضع منهار"

في ظل كل الهمجية الطافحة في العالم على هيئة حروب ومستنقعات دموية ..هذه المسرحية هي الخطاب الأنسب للإنسانية . خطاب مفتوح وشامل لا يحده إقليم أو عرق ..هذه هي حياة الجنود في كل مكان .. هكذا تصلب أرواحهم كل ليلة بين الموت جوعا وعطشا ... أو على حدود غضبة الألغام .

هناك ديناميكية فردية في المسرحية تعزز الشعور الوجودي فتغدوا الحرب لا كما نعرفها دمار شامل..بل تصير الحرب جندي واحد يتعذب ويتعذب  ثم يختم عذابه بموته .

كان الحوار الذي تتكئ عليه كامل المسرحية  عاطفيا جدا ومثيرا للمشاعر للحد الذي لم يكن من الصعب أن نشعر من خلاله بلوعة  الصوت .. الذي وخلال القراءة كنا نكاد نسمعه مهتزا مرتبكا .. ضعيفا ..ناقما .. في أدق حالاته الإنسانية حاجة ورعبا وحزنا وتعبا .
هنالك رصد دقيق للتفاصيل الدقيقة للعيش ضمن أجواء الحرب كجندي وأسير ..رصد لما يحدث في داخل الجندي وما يحدث خارجه  فالمقطع الذي يتحدث عن الأم وفرحتها بعودة إينها الأسير ومن ثم المقطع الذي يتحدث عن الأب الذي لا يزال يتضاءل خشية على ابنه, كلها أحداث من العمق أن تلمس أي قلب إنساني فيه من الإنسانية  ما يكفي للحلم بالسلام والمحاولة في اتجاهه.

رغم أن خاتمة المسرحية غير متوقعة .. لكن ليس هذا ما جعلها مربكة بالنسبة لي .في الحقيقة نحن أنصتنا للجندي الأول طويلا ما يصعب علينا معه موازنة الجملة القصيرة التي أطلقها الجندي الآخر في آخر الحوار (ياه, كم كان حلما مفزعا, إلى أين تدعوني أيها الصديق ؟ بعد أن فجّرت نفسك في حقل الألغام سأنتظر هنا وبيدي حفنة التراب )  . لكن قد يحسب للكاتب أنه مهد لهذه القفلة في حديث الجندي عن أباه  القلق عليه والحوار بينه وبين صاحبه الجندي الآخر الذي هو صاحب الحلم في الحقيقة  .. كان ظاهرا لنا أن المتحدث هو الثاني الذي عايش الموقف ..وكان غريبا جدا تحدث الأول بصيغة من سمع الحوار أو عايشة ما يجعل هذه الصيغة أقرب فعلا للحلم لأن صاحب الحلم هو الذي عاش الموقف وبالتالي عاوده . كان أيضا هناك تمهيد غير مباشر ..إذ لم يتحدث الجندي الثاني عن ذكرياته الخاصة ..كان يتحدث عن ذكريات صاحبه كما لو أنها ذكرياته ..

المسرحية بكاملها مزج الغثيان ..بالحزن ..بالبكاء الناشف  الذي تحول من قسوته لتراب خشن ..حتما وعلى المسرح كانت هذه المسرحية ستحصد بكاء كثيرا .. عني أنا ربما لو أنني  كنت شاهدتها سأهرب من المسرح قبل تمامها ليس فقط لأنني قد أشفق على أولئك الذين ماتوا ومازالوا يموتون..وأولئك الذين نجو ومازال جرح الحرب مفتوحا في نفوسهم... بل لأنني سأخشى حقا رؤية هذا الوضع لكونه مرعب..ولكونه آخر الأشياء التي أود أن أعيشها ..أو يعيشها أي من أحبابي . بقدر ماكان هذا الجزء في المسرحية متماسكا رائعا وصلنا بدفقة شعورية عظيمة :
 إن وجهه توضأ بالدم وقد أدى الصلاة بموعدها .
كنتُ أضحك ..
كنتَ تبكي ..
كنتُ أبكي ..
كنتَ تضحك !


كان جزء/
 انظر سقط صاروخ هناك !
_  وتلك ستسقط هناك .
_  القادمة في ذلك الجانب ؟
_  اعتقد أنها ستسقط خلفنا .
_  كلا قربنا .
_ كلا أمامنا . 
محملا بشعور آخر.. أظن بأن الكاتب لم يقصده ..
ربما كان هذا الجزء في مرحلته التمثيلية سيسند بهلع الصوت واهتزازه ..لكنه هاهنا وبهذه الصيغة قد يأخذنا للشعور بالاستسهال .. شيء لا يشبه الخوف بقدر ما يشبه ..حركة القفز هنا وهناك .
 من خلال هذا المقطع تحديدا قد يصح لي أن أتطرف وأقول أن المسرحية خارج المسرح تفقد شيئا كبيرا من روحها ..تصير رسما كركتيريا لا أكثر ..لما يشبه ما سيحدث .
من خلال هذه القراءة بت أدرك أكثر كم من المجهود تستهلك مسرحية في طريقها للخروج ..وأي معنى قد تضم جملة مثل ( المسرح كل الفنون في فن واحد) ..من باب أن أي من الفنون تلك أساسي بحيث إذا ما بتر اهتز العمل كله .
هذه مناسبة رائعة لأقول أن هذا العمل الإنساني استثنائي بحيث أصافح الأستاذ قاسم مطرود بحرارة المحبة الإنسانية و أشكره على تطويع الحرف لهكذا نبل رفيع
          

نص مسرحية أحلام  في موضع منهار