"سوناتا الخريف" وتساقط العلاقات البشرية

قاسم مطرود

 

لقد غابت الشخصية الرئيسة في العرض المسرحي "سوناتا الخريف"

HERFSTSONATE الذي قدم على مسرح De Koninklijke  وبغياب آلة البيانو والاستعاضة عنها بالمؤثرات الموسقية, هبط العرض منذ الاستهلال الأول.

ولان المسرحية أخذت من الفلم الذي أخرجه أغمار برغمان INGMAR BERGMAN عام 1978 وبالاسم نفسه يضطرنا العرض إلى إحداث المقارنة بين الفلم والواقع المسرحي, لم يستطع المخرج  Anny van Hoof التخلص من سلطة الفلم عليه حتى باختياره لأشكال الشخصيات التي اقتربت بالشبه من ممثلي الفلم.

وفي الاثنين كانت المشكلات نفسها والمعالجات مختلفة من حيث حرية السينما في الخروج بالحدث إلى أمكنة مختلفة, وبقاء الحدث في المسرح على الخشبة نفسها وان ملاحظاتي على المسرح الهولندي الذي شاهدت الكثير من عروضه, التي لا تستخدم السينوغرافيا ويعتمدون كثيرا على النص المسرحي وبمعنى آخر على الحوار بإيصال المعطى المسرحي, فالمتفرج يدخل المسرح ليستمع إلى العرض أكثر ما يشاهد وهذا يعني إنهم قلما يستخدمون البصريات, على اقل تقدير بالنسبة إلى العروض التي شاهدتها وكتبت عنها وهي كثيرة.

 وعودة إلى عرضنا الذي بدا وكانت الستارة مفتوحة وعليه فان الديكور معلوم للمشاهدين والذي تغير فقط عند بدا العرض هو إطفاء إضاءة القاعة, وبدا تحرك الممثلين على الخشبة حتى نهاية العرض حينها أشعلت إضاءة القاعة ثانية وكأننا عدنا إلى نقطة البداية.

ولنبق قليلا في مشكلات العرض أو العقدة التي عالجها المؤلف والمخرج, إنها وبحق ذات أهمية كبرى,إذ تعتبر من أهم الالتماعات التي اقتنصها برغمان كلحظة إبداعية أخاذة .

 إن العلاقات الإنسانية تسير وتحتها بركان ولا نعرف لحظة انفجارها, ويوم تنفجر يصعب معالجة الأمور أو إعادتها إلى نصابها, وهذا الأمر سائر أيضا على العلاقات الأسرية.

 يبدأ العرض بمشهد يتحدث فيه فيكتور زوج ايفا الذي جسد دوره Alexander van Heteren عن زوجته ايفا التي ادت دورها Camilla Siegertsz كيف هي جالسة قبالة الشباك بالحالة اليومية المتكررة, وكأنه يريد إعلامنا من أن أمرها ليس سويا إن لم تكن مصابة في مرض الكآبة. وبعد حين تحدثه الزوجة ايفا عن الرسالة التي كتبتها إلى أمها, لأنها في شوق عارم إلى مشاهدتها والجلوس معها, وهناك الكثير من التفاصيل, إلا أننا نستشف من هذا المشهد الجو العام الذي يحكم المنزل والعلاقات التي تربط فيكتور وايفا وابنتهم المعاقة هيلين Helena. التي جسدت دورها Medi Broekman وهي لا تقوى على الكلام, وقد جعل سرير البنت في أعلى خشبة المسرح لتمتد عليه البنت بين حين وآخر, وكانت تجسد كل الانفعالات التي تحكم الشخصيات في الأسفل ذلك الصراع لقائم على خشبة المسرح وما أن تتأزم العلاقات نشاهد البنت Medi Broekman تتحرك وتأن وكأنها تريد أن تصرخ أو تحاول التعبير عن شيء, إنها الشاهد الحقيقي على أن الجميع معاقين ويصعب عليهم البوح بما يريدون, أو قول ما يجب أن يقال.

حتى دخول ألام شارلوت Charlotte التي جسدت دورها Linda van Dyck وبيديها حقيبتين والتي تفتح واحدة منها لتخرج أغراضها وتبقي الأخرى مغلقة حتى نهاية العرض وكأنها تقول: أنها ذات متحركة وليس لها مستقر, إذ تعبر ايفا البنت عن فرحها بمشاهدة ألام, ذلك الفرح الذي يقترب من الجنون وتحاول تقدم للام مايسعدها وتعرض لها كل شيء وتدلها على زوايا المنزل وبين الحين والآخر تقول لها

- ماما كم أنا سعيدة بلقاؤك

وبصوت واطئ تشي لامها بسر

ماما Helena هنا

ولان برغمان أراد تسليط الضوء على شخصية شارلوت الأنانية المتصابية والتي تحب نفسها أكثر من أي شيء في العالم لذا جعل هذا المشهد مؤثرا ومهما في فهم سلوك ألام, التي تعكر مزاجها وحزنت كثيرا لأنها تريد التمتع والمرح فقط وهي ليست مستعدة لمشاهدة مأساة الآخرين إن لم نقل أنها لا تهتم بها, فهي مشغولة بحفلاتها كعازفة بيانو وعلاقاتها المتشعبة والغير واضحة, إنها تحب المديح وان يحسب الآخرين لها حسابا, وان تكون تحت الأضواء وعلى أن يمر يومها دون منغصات ويتبين هذا بعد قدوم الليل لتقرر النوم إلا أنها لا تستطيع حتى إغماض عينيها لذا تستلقي على اقرب كرسي في غرفة الاستقبال وفي الحال تحلم بقدوم البنت Helena التي تروم خنقها وتستيقظ من حلمها على صراخها الذي يملا المكان وتكون البنت ايفا واقفة إلى جانبها معلنة عن استعدادها لأي خدمة ومستفسرة عن سبب الصراخ الذي أفزعها إلا أن ألام لم تبح بالأسباب.

ومن هذه المنطقة تبدأ مسرحيتنا الحقيقية وكان الذي تقدم كان تخطيطا للشخصيات ومن هذه المرحلة يبدأ المؤلف والمخرج بنائها لبيان شكلها النهائي وماهيتها التي هي عليها, لتبدأ المحاكمة, أن صح التعبير بل هو كذلك لان ايفا تصل في قمة أدائها كممثلة صارخة ومتسائلة عن أسباب القهر والتعسف الذي تلقته طوال حياتها من ألام, وتقول لها وبصوت عال:

-         أني اكره يا أمي لأنك اذقتيني أنواع العذاب

 وتبدأ بتذكيرها بالقسوة التي استعملتها معها مذ كانت صغيرة وكيف كانت تحبسها في غرتها من اجل أن تقضي الام يومها خارج المنزل مع أصحابها وتتمتع بأجمل الأوقات, وكيف حرمتها من أول علاقة غرامية.

ويمكننا قول شيء هنا في حق ايفا التي جسدت دورها Camilla Siegertsz كانت أكثر من رائعة في هذا المشهد ولولاها لهبط إيقاع المسرحية, إلا أنها وبحق كانت فوق المتألقة.

انفجر البركان وتهشم غلاف العلاقات الملغومة, ولفظ كل ما فيه ونثر على الأرض وبدا الحساب وبانت الحقائق وصرح كل عما كان في قلبه لتعرف ألام في نهاية الأمر من إنها زائر ثقيل غير مرغوب به, إذا أردنا للحقيقة أن تكون هي المعيار الحق والنسيج الأمثل للعلاقات الإنسانية وهذا يختلف تماما عن الكلمات ومشاعر الترحيب.

إن العلاقات الإنسانية لهي مزيج من الصمت والصراخ وفي الصمت نسمع الصراخ ووسط الصراخ يكمن ذلك الصمت المخيف