قاسم محمد وإشكالية التجريب الشعبي في المسرح

الطيب ألصديقي: قاسم محمد قديس المسرح في المشرق

حوار قاسم مطرود

قاسم محمد مبدع خلاق له بصمات واضحة في مسيرة المسرح العراقي وإسهامات فاعلة في المسرح العربي, فهو النفس الحي دائما إذ لم يرض أن يدرج مسرحه بمن

سبقه أو يصنف تحت لواء مسرح العلبة أو تجارب المسرح العربي.

لقد بحث أصول الشعائر والطقوس و الفلكلور العربي والعراقي بالخصوص ومنه اخذ مادته الثرة التي حولها إلى مسرح شعبي أصيل وقد اختير في ملتقى القاهرة العلمي لعام 1994 واحدا من أفضل خمسة فنانين عرب كما نال جائزة السينوغرافيا في مهرجان قرطاج لعام 1993 وكرم في قرطاج أيضا لعام 1995 كفنان مسرحي عربي مجدد ونال جائزة الإخراج عن مسرحية الباب لعام 1987 في قرطاج وجوائز أخرى يصعب حصرها.

الافتراضات والأسس

1- فما هو المدخل الحق الذي يمكن أن ندخله معك, فانك مخرج ومؤلف وممثل ومترجم وكاتب سيناريو فلم سينمائي ومسلسلات تلفزيونية ونشاطات أخرى, لذا أرى أن يكون الحوار عن رؤيا الفنان قاسم محمد وأسس دفاعاته وافتراضاته لهذا العصر.

لعل المدخل هو مدخل الحالة التركيبية التي تكوّن الفنان وتكوّن فنه, في عملي ونشاطي المتعدد الوجوه يوجد هذا التركيب, المكوّن من الفنون والآداب والشعر والرسم والبحث والدرس. بل والشطحات الخيالية التي تقربني من شطحات المتصوفة في حالات وطقوس فنائهم وفناء ذواتهم في ظواهر وذوات موجودة أخرى, قريبة كانت أم بعيدة. كل شيْ مركب مع ذاته وذاته مندمجة متوغلة سابره أعماق الغير سواء كانت أشياء أم أحياء, كما تني افقه أن العصر مركب بل ومعقد نتيجة لسرعة التطورات الخاصة في مناحي العلم والفكر والثقافة وبإيقاعات غاية في السرعة. بحيث تجعل من مكونات الحياة الإنسانية شمولا وتشعبا يفرض هو الآخر تركيبا وشمولا وتشعبا في التفكير وفي العلاقة في مادة الإبداع التي نشتغل بها عليها, لذا لا ينبغي فسح المجال للصدفة الاعتباطية, ولذلك أدرك جيدا إن فن المسرح هو الفن الأكثر تركيبا بين الفنون ( باستثناء جنون تطورات السينما ) ولا مجال لغير العلم والاستقراء والمعرفة في حالات الشغل التي نمارسها وفي مختلف أوجه تكوينها.

في عملي أسعى أول ما أسعى إلى التأسيس, مهما ضؤل أو كبر هذا المسعى, إلى الإنجاز المجرد. ولهذا بالذات افترض العلم والمعرفة والبحث في حالات الطقس الفني والإبداعي المكون للعرض المسرحي في كل عناصر وجوده وهي عناصر من الأحياء والأشياء, سعي التأسيس هو الذي يكون ويعمق خبرة العرض. كل هذا الذي أقول الآن وغيره كثير, لا يحيا ولا ينمو, ولا يتأسس إذ لم يكن أساسه الوحيد, وجوهره الوحيد. الإنسان, الإنسان مشاهدا ومبدعا.

 

ما قبل المسرح

2- في أكثر من منجز مسرحي قدمته طالبت بالعودة إلى ما قبل المسرح, أو بمعنى آخر أن يكون للطقس دور فاعل فيه والعودة إلى الأصول الأولى في التقديم ما السر في ذلك.

ليس ثمة أسرار في حركة إبداعنا, بل هناك العمل, العمل الدءوب, العمل البحثي, القراءة, ثم الاكتشاف ثم الاستقراء ثم استنباط المضامين والأشكال وتحديد النوع, وإيجاد وسائل التعبير ( شرط أن يتم كل هذا بشكل بحثي حيوي بعيدا عن الآلية والروتين ) كل ذلك بغض النظر عن كون العمل مستندا إلى ما يسمى ( ما قبل المسرح ) أو مستندا إلى منجز مسرحي حاصل.

كانت الدعوة في فترة ما من عملي المسرحي لهفة عاشق إلى البحث في حالة ( ما فبل المسرح ) وليس لدي فقط بل وفي غير مكان من الوطن العربي ولدى أكثر من مبدع عربي مؤثر. وفي هذه الدعوة لنا أيضا نسعى إلى التأسيس, إلى البحث في الشخصية الوطنية المميزة للفن وللفنان, وليس بمعزل عن المنجز الإبداعي العالمي, كانت لهفتنا وعشقنا يسحبنا بقوة إلى فضاء تأسيس الطقس المسرحي الخاص ببيئة وروح مكاننا وزماننا, هنا أيضا كانت سباحتنا في أثير الخاصة المميزة للجماعة البشرية النابع من البيئة كمعطى إبداعي يميزنا, ثقافيا, فكريا, أدبيا, اجتماعيا, وفنيا. لقد اشتعلت حركات فنية واسعة وفي أماكن عديدة من العالم, بل وما زالت تشتغل على هذه الهموم الإبداعية, ذلك أني لا اعتقد أن تعيش جماعة بشرية دون أن يكون لها ما يميز وجودها وإبداعها الذي يمكن أن يضيف إلى الفنون الأخرى لدى الجماعات الأخرى, يضيف شمولا إنسانيا له بصماته وسماته وروحه, لقد تبلورت موجة التأسيس لطقس المسرح العربي الخاص في فناء فكر المسرحيين العرب من مشرق وطنهم إلى مغربه, وبكثير من التنوع والفهم والعطاء فكنوز الموسيقى العربية بمقاماتها وتلاوينها وأغراضها العديدة, كنوز غنية مليئة شأنها شأن الأدب العربي والشعر العربي والتراث العربي بكل مكوناته المادية والروحية والخيالية والملحمية, إلى جانب فنون الرسم والزخرفة والمنمنمات والعبارة الروحية العربية. كل هذا وغيره من النتاجات الإبداعية في ميادين متعددة, يكون جملة أسرار البحث في دعوتنا ولهفتنا وعشقنا. لتأسيس ملامح أو شخصية لمسرحنا غير بعيدين أو مبتعدين عن المنجز الإنساني العالمي للمسرح وللفنون عامة.

التراث الشعبي

3 - زرتك في مسرحية " تعلولة بغدادية" و أنت ما زلت تقيم التمارين و قلت في حينها انك تريد أن تأخذ فنون العرض المسرحي إلى واقع الموروث الشعبي, كيف تفسر ذلك و هل سبقك احداً إلى مثل هذا التصور ؟

حقاً من ينبغي أن يذهب إلى من؟ المسرح إلى البيئة أم البيئة تجيء إلى المسرح؟ اظننا سنتحول إلى مصورين فوتوغرافيين إذا ما جئنا بالبيئة إلى المسرح, لكننا سنغير المسرح باتجاهنا و معه البيئة إذا ما أخذنا المسرح إلى البيئة " شرط أن نكون باحثين, مبدعين. محولين الحقائق إلى فنون"

نعم سبقني الكثيرون إلى ذلك اعرف بعضهم, و هم كثر و ربما اجهل البعض الآخر, و لعلا هم كثيراً أيضا لكن ما يميزني في مكاني و زماني الخاص بي و إني واصلت و ما زلت أواصل البحث أواصل المعرفة و الدراسة وأهم شيء إني أواصل التمرين " التمرين هو أب لكل شيء لعملي و هو أب مخصاب "

أجد متعة و سعادة كبيرتين في عملي في هذا المجال لما في عملي من جدة و ابتكار و تغذية العرض المسرحي بأفكار جديدة على صعيد الشكل أو المضمون أو وسائل التعبير, و بخاصة العرض المسرحي الشعبي المحلي, حد إني توصلت مع نفسي و ربما لنفسي, إلى ما أسميته " التجربة الشعبية " أي حصر المعطى الإبداعي التجريبي للناس للعامة للكثرة التي لم تتح لها فرصة الحضور إلى المسارح و العروض التجريبية و ذلك بدلاً من حصر العالمي المستوى من حيث البحوث و التقنيات و الإنجازات الرفيعة مشاعة و ليست مخصصة ضمن ثقافة و فهم النخبة مع اعترافي بوجود مسرح " نخبوي " و بهذا أقوم بتقريب المنجز المسرحي الفني الإبداعي إلى قطاع واسع من الناس وعبر هيئة و موروثات و تراثيات و آداب حديثة و مقر يعرفونه الجميع و هم أهله أصلا. لكنهم يكتشفون في " العرض المسرحي التجريبي الشعبي " مجدد و بقيم و معطيات و مكونات جديدة.

 

الواقعية الخيالية.

4 - أين تضع فاختانكوف و بالتالي زفادسكي في تقيم تجربتك في الإخراج المسرحي.

يفيغيني فاختانكوف هو أستاذ يوري زفادسكي و يوري ازفادسكي هو أستاذي المباشر حيث درست الإخراج في ذات الصف الذي كان يقوده زافادسكي في معهد المسرح-كيتس- و لمدة 5 سنوات كاملة.

فاختانكوف هو صاحب طريقة " الواقعية الخيالية" و التي استند في استنباطها و تأسيسها بعد ذلك على معطيات بارزة من الأدب والأساطير والحكايات الشرقية, ولعل أبرزها معجزة الرائع والمعروف تاريخيا وعالميا ( الأميرة تو داندوت ) التي كتبها الإيطالي فارلو كوتسبي مقتبسا إياها من حكاية ( الجارية تودد) في ألف ليلة وليلة وقد سرت ( الواقعية الخيالية ) من فختانكوف إلى زافادسكي ,ثم إلى مجموعة تلاميذ زادا فسكي وعلى عقود طويلة من الزمن ولاني ولحسن الحظ كنت واحدا من تلاميذ زادا فسكي فقد أثرت بي كثيرا هذه الطريقة والتي اعتبرها أساسا لما احسبه في شغلي ( التجريبية الشعبية ) لكني أجد لزاما علي هنا أن اذكر مرحلة مهمة في مسالة إعدادي وتربيتي الفنية والثقافية وهي مرحلة تتلمذي على يد المبدع العراقي الكبير جاسم العبودي , وهو مرب ومخرج ومعلم مسرح أصيل , وكان العبودي قد درس المسرح في أمريكا في بداية الخمسينيات , اطلع بعمق على طريقة ستانسلافسكي وكذلك طريقة فاختانكوف , قد لازمت العبودي وعن قرب شديد وعملت معه في المسرح طوال خمس سنوات أيضا, غيرت من تفكيري وإعادة بناء ذاكرتي الفنية وأحدث تحولا مهما في تكويني الفني والإنساني , بعد ذلك جاءت مرحلة التتلمذ على يد زافادسكي واخذ الروح العصرية الأوسع والاعمق في دراسة فن الإخراج والتمثيل . حيث إن البحث والحالة البحثية هي المكون الأساسي لعمل المخرج, البحث في كل ما يكون العرض,من أشياء وأحياء , وزافادسكي هو أستاذ الكثير من المخرجين المدونين عالميا , لعل أبرزهم هو البولوني يرجي كروتوفسكي ومن العرب المعروفين الراحل نجيب سرور المصري والراحل فواز الساجر السوري , وهم مخرجون مشهود لهم بالتميز والإضافة والإبداع , وأنا في هذا المجال لا أنسى الفنان الكبير إبراهيم جلال وتأثيره والذي اعتبره من الركائز المهمة في ثقافتي ومعرفتي المسرحية ,

 

5 - في البدايات ترجمة الكثير عن الواقعية والواقعية الخيالية هل كان هذا النهج واضحا في أعمالك وهل واكبك حين تبنيت المسرح الشعبي؟

نعم كان لهذا الكثير من التأثير على نهجي العملي في الشغل المسرحي ولعلك تجد الجواب وافيا فيما سبق من أجوبتي

 

6 - أنت في الريادة في بحثك عن مسرح شعبي أصيل , ما هي أهم الدعائم التي وضعت في مسرحك ؟

لعل ابرز تلك الدعائم هي .. اللجوء إلى فنون وإبداعات بيئتي وتراثي وارثي الروحي والأدبي والتاريخي, أنجزت في هذا المجال عددا ومعروفا من العروض المسرحية تقف على رأسها ( بغدا د الأزل بين الجد والهزل ) و( شخوص وأحداث من مجالس التراث ) و ( كان يا ما كان ) و( رسالة الطير )و( طال حزني وسروري في مقامات الحريري ) و( الممسوسون ) و( سوق الحكايات ) وأخيرا وليس آخرا ( حلاج الفقراء.. الصلب الدامي ) في عملي المركب والمتشعب الوجوه في هذا المجال تندمج الكتابة مع التجهيز, مع التمرين وبناء العرض الكلي للفرجة المسرحية, فلا ينعزل إعداد النص عن طريقة التمرين الباحث ولا ينفصل البحث عن أسلوب المعالجة الأدائية, وهنا أود أن أنبه إلى قضية هامه هي إنماء وبلورة شخصية ( المخرج – الدراماتورج ) أي المخرج والخبير الدرامي في ذات إبداعية فنية واحدة, مخرج ومجهز نص وبناء عرض ومربي كادر فني ومعلم ممثلين وباني فرق فنيه متحدة هدفا وعطاء وثقافة قادرة على أداء العرض المسرحي من هذا النوع, لكن أيضا نرى إننا عدنا إلى حالة التركيب, تلك وغيرها هي المستجدات, هي الدعائم التي اشتغل عليها في كل أنواع عروضي المسرحية.

 

7 - هل يقترب مخرج مسرحي اخر من رؤياك وتصورك للمسرح الشعبي في العراق ؟

دون شك هناك من التقارب الكبير, ما هي المسافة التي يقطعها هذا الآخر ليلج عالم التركيب الذي أتحرك في فضائه, هنا سأقف عن المكيفات, لإصدار الماهيات..

ما القراءة عند هذا الآخر ؟ ما نوع وعمق البحث ؟ ما هي كيفيات آليات وديناميكيات الإعداد ؟ ما هي طرائق التمرين ومصادرها غير مسرحية لإعداد الممثل وتمرينه ,كاللجوء إلى تمارين علوم الباراسايكلوجي .كما حدث في عرض رسالة الطير مثلا.

 لعلي انفرد بسعة الرؤى للمسرح الشعبي, وذلك بغية تقريبه من المعطى العالي الشامل, بعيدا عن حصره كمعطى في محلية.. كان هناك قبل سنوات من يقترب من نوع مشغلي, لكنهم الآن قلة ولكن دعني انوه بمخرج شاب يحث خطاه نحو إنجاز مسرحي عراقي كبير ( غانم حميد ) انتظروه.

 

الطيب الصديقي

8 – ما أن يذكر قاسم محمد يذكر الطيب الصديقي , ترى ما وجه التشابه أو العلاقة الرؤية في مسرحيات الطيب الصديقي وخاصة مسرحية ( مقامات بديع الزمان الهمذاني ) 1972 ؟

لا أنكر تأثير الطيب الصديقي علي.. فانا من مريديه المسرحيين والصديقي مبدع مؤثر وقد اثر بي كثيرا, سواء عن بعد كمشاهد لعمله أو عندما عملنا معا عام 1985 عند تأسيسنا بمبادرة الفنانة نضال الاشقر لفرقة الممثلين العرب التي جمعت ممثلين من عشرة أقطار عربية, ودارت بهم المدن العربية القريبة العريضة الممتدة من نينوى إلى أصيلة واظنني أثرت به أيضا فانا قد أنجزت ( شخوص وأحداث في مجالس التراث ) وهي مسرحية عن أبي حيان التوحيدي عام 1975 وقد عرضت في عدة مدن مغربية بأداء الفرقة القومية العراقية للتمثيل, وبعد هذا التاريخ بتسع سنوات أنجز الصديقي ( التوحيدي )

 اعتقد إن هذا طبيعة من طباع المسرح أن يتأثر ويؤثر, فان حيويتنا وعشقنا وهمنا وتوجهنا واحد وان اختلفنا بالتفاصيل.
كيف لا يؤثر مبدع مثل الصديقي أو مثل روجيه عساف أو نضال الأشقر أو عز الدين مدني أو عبد العزيز السريع بالآخرين ؟ التأثر مسحة إبداعية من سمات الفنان العامل الباحث المتلهف , أظن إن التشابه كبير بيننا جميعا وبخاصة بيني وبين الصديقي الذي يعتبر ( إن روجيه عساف وقاسم محمد من قديسي المسرح في المشرق )

 

المسرح والقصيدة

9 - أي الق ياخذك في الصورة الشعبية مما يدفعك الى كتابة الكثير من النصوص المسرحية معتمدا على القصيدة

دائما ياخذني الق القصيدة , الصورة في الشعر والفعل في الصورة, وليس الشكل الالى للفعلية المجرد ,ثم مجسد مخفي في القصيدة الجيده , وفي الشعر العربي قديمه وحديثه كم هائل من القصائد الصور .( لو تعلم أي سيناريوهات صورية في قصائد البحتري ) سيناريوهات لا تحتاج الا الى مصور سينمائي ومخرج ذي بصر وبصيرة ثاقبة, وسترى أي شريط اخاذ سيظهر لنا .

الملاحم الشعرية , وفن اكثر من ستة الاف سنة في الحضارات العربية القديمة في وادي الرافدين ووادي النيل وفي الجزيرة العربية صور على هيئة مفردات نافذة الى المخيلة تمنح نفسها لتكون ولتون شخصا . او عرضا مسرحيا خاصا .

هذا الجانب من عمل العرض المسرحي يعتمد ايضا البحوثية , الطقسية , روح البيئة ومعطيات العصر , وقد انجزت عددا من العروض المسرحية الشعرية الكبيرة كما ونوعا ومنذ عام 1970 ولعدد من الشعراء العرب والعراقين , هنا انفلاق لايحد للمخيلة ولفضاء المكان ولطاقة الاداء والمعالجة

 

مسرح المقهى

10 - ولأنك تعشق التجديد وتعتبر كلما تقدمه مختبرا دائما كما حدث في مسرحية ( رسالة الطير) ترى هل تواءمت مع تجربة المقهى السورية التي قادها الراحل سعد الله ونوس

لا.. لسوء الحظ او سوء الظرف, لم افكر بالشغل على مسرح المقهى.. ( اذا جاز هذا التعبير ) لكني انجزت ربما عملين او اكثر قليلا يصبان بشكل او باخر في هذا الاتجاه .. وذلك عندما جهزت عرض ( كان يا ماكان ) وعندما اعددت بناء عرض ( مغامرة راس المملوك جابر) لسعد الله ونوس .

لكني اظن ان الراحل الكبير سعد الله ونوس اكبر بكثير من هذا الانجاز- المسرحي نسبيا في كلية ما اورثنا فقيد الثقافة العربية المعاصرة ( ونوس ) ان ارصه الفني الادبي اكبر من ضاهرة مسرح المقهى.. ان ونوس الباقي حيا في تراثنا المسرحي اخذ المسرحية العربية وقربها كثيرا .. من مستوى المسرحية العالمية, فكما الحكيم سابقا, وربما جورج شحادة .. اقترب ونوس بمنجزه المدهش .. الصاطع من العالمية وشموليتها. ونوس كان خلالصة نضج المسرح العربي الاصيل.. المثقف.. المهموم..بالعلاقة مع المسرح العالمي.
اما انا, وبتواضع كبير , لم اقترب ولم اصل ولم اتواصل, الا قليلا من منجز ونوس المؤثر المميز بين جميع المسرحيين العرب .

 

المسرح العراقي

11 – بعد هذه الرحلة الجادة المضيئة كيف تقيّم المشهد المسرحي في العراق ؟

المسرح فضاء حساس سريع العطب وسريع التأثر وقد تأثر مسرحنا العراقي بظرف الحصار القاسي والقاتل, فكما قتل الحصار طوال سنوات عجاف الكثير من المنجزات العلمية والإنسانية قتل أيضا آلاف الأطفال وغيرهم من الشيوخ والعجائز بل وحتى الشباب كما قتل كوكبة من الأدباء والفنانين والعلماء, كذلك فعل الحصار الوحشي بفن المسرح إذ حرمه من التطور وسد عليه منافذ الإفادة من المسرح الآخر والتحاور معه, والانكى من ذلك هو الانحراف الذي حدث بفعل قسوة الظروف التي أوجدها الحصار مما افرز طبقة رثة من المتفرجين خلقت طبقة أكثر من العاملين فيما يسمى بالمسرح التجاري حيث جرت, بعلم أو بدون علم, عمليات تهشيم وتهميش للمسرحي المبدع, المفكر, المجدد, سواء في النص أو في الأداء أو في العملية الإخراجية فانحسرت الأعمال المسرحية الجادة لكنها لم تمت, إذ ما خلت الساحة من الحريصين الخيرين على ثقافة شعبهم العريقة وبقوا يعملون في الخضم الصعب بشكل أو بآخر, وعبر مخاضات معذبة, تماما كحملة الصليب يجرون صلبانهم بدأب العاشق المضني.

 عملوا ويعملون ويواصلون العمل على إدامة وترسيخ تقاليد الإبداع والابتكار والبحث والتجديد على الرغم من قوة طوفان الجهل الذي ساد العمل المسرحي التجاري.

وقوة مادة راس مال تجار الخردة ولجو كل مرافق الحياة حتى الجامعات ومعارض الرسم, والآن. ولان المسرح التجاري جاهل محدود لا يملك إلا قوة راس ماله ولا يملك ثقافة أي كانت فقد بدا يتضعضع وبدأـ جراثيم مرضه التي يحملها في داخلة تأكل في كيانه ولا بقاء إلا للأصلح والاعمق والفضل.

إن الحركة المسرحية العراقية حركة ولود باستمرار, ها هي كوكبة شابة تعمل الآن بحب وتبدع عروضا مسرحية ( رغم صغر حجمها وامكاناتها المادية ) هيه كبيرة حقا في مؤداها وإنجازها الثقافي والفني وذلك إلى جانب موصلة المبدع صلاح القصب وفاضل خليل وشيخ المخرجين العراقيين سامي عبد الحميد يبدعون عروضا لافته للنظر مثيرة للاهتمام مواصلين إرساء المنجز المسرحي العراقي الجاد.

واني لعلا يقين ما أن تتعدل ظروف المجتمع الاقتصادية حتى يموت المسرح التجارية بروحه إن كانت له روح وبجسده القميء المسيء الهادم.

 

المؤلف والنقد

12 - أين تضع المؤلف المسرحي في العراق وهل واكبت حركة التأليف المسرحي كما الإخراج أو التمثيل وحتى حركة النقد ؟

لا تنس بأننا بلد شعر وأدب و فن كبير ومنذ ما يزيد على الستة آلاف عام, إن لهذا تأثيره وقيمته بل إني موقن أن التوارث في هذا المجال لا يتم في تواصل العطاء وحده, بل إن التوارث يتم حتى عن طريق ( الجينات ) إن الجينات تحمل ارث التراث والعلم وتنتقل من جيل إلى جيل , لا تستغرب من هذا الرأي , أقرا نظريات عالم النفس بونغ وسترى كم هو صحيح رأيي , إن مسرحنا وأدبنا وكتابنا المسرحيون الجادون , وباستمرار يرفدون المسرح بتجارب متنوعة من النصوص والأشكال والمواضيع والمعالجات .

وباستمركان المؤلف العراقي الجاد مرموقا ( انظر إلى موجة الروايات العراقية في السنوات العشرة الأخيرة, والله ترى العجائب سواء في الطرح أم التقنيات أم جرأة و روعة المواضيع. محمد خضير, غازي العبادي, عيسى مهدي الصقر. عبد الخالق الركابي , عبد الستار الناصر , وآخرون كحامد طه شبيب والبيضاني ومحمد مزيد . لذلك ينبغي ان يبقى المؤلف المسرحي مواكبا ومتواصلا ومؤثرا في حركة المسرح العراقي.

ودائما كان في المسرح العراقي ذوات أدبية ترفد المسرح وتسيره نحو آفاق مجيدة من فن الكتابة العميق سواء في القرن الماضي أم في أواسط القرن الحالي, هناك العديد من العلامات البارزة على مراحل وعلى مؤشرات إنجاز. وقد عرف المسرح العربي الحديث هذا الإنجاز ومنحه جوائزه وثقته واحترامه.

أما حركة النقد المسرحي في العراق, فهي شأنها شأن أخواتها في الأقطار الشقيقة تعاني ما تعاني وعلى أصعدة عديدة, ولكن النقد المسرحي في العراق ومنذ السبعينيات عرف أسماء مؤثرة ثم عاد وانتكس, بفعل مزجة لا تتصف بالمعرفة, لكني للحق أقول إن السبعينيات شهدت ولادة مجموعة طيبة وشابة محبة.. متحمسة بل متحركة تخلق منجزها المتكافئ والعادل والمؤثر في حركة المسرح العراقي الحديث هذه هي المجموعة هي ( رابطة نقاد المسرح ) والتي ابرز أسمائها ( قاسم مطرود , عبد الخالق كيطان ,كريم شغيدل , حسين الأنصاري , كاظم النصار ) وعذرا ان لم اذكر الآخرين وإنهم محترفون حقا ليوجهوا حركة النقد بمعطيات مدروسة من كتابات وتحليلات ونفوذ حريصة ومميزة في المسرح العراقي       

 

13 – وأخيرا أمازلت تؤمن بإصرار سيزيف بإيصاله الصخرة إلى قمة الجبل ؟

سيزيف المسكين الآن أم نحن ؟ إن واحدنا لأكثر عذابا من سيزيف بمرات ومرات, وأكثر بلوى حتى من يونس واشمل صبرا من أيوب, ثم ألا ترى إن سيزيف من وجهة نظر أخرى, هو عنوان العامل الدوؤب المتواصل مع عذابه وعمله على الرغم من القسرية التي أمرت بتعذيبه.

إن العمل والدأب والمواصلة,عبر العذاب هي موصفات عصرية للمبدع الحق في بيئات مثل بيئتنا وقد يكون سيزيف مبدعا بمفهومنا العصري , لأنه يقوم بعمل روتيني مكرر فرض عليه فرضا لكن ميزة المبدع العامل بإصرار على الخوض في فضاءات الإبداع والتأسيس والإضافة وإيقاظ الفاعلية المختلفة لفن الإنسان , مثل هذا هو الذي يفرض دأبه على العمل وعلى دحرجة الصخرة وعلى حمل الصليب وعلى العيش والتكيف في جوف الحوت وعلى معايشة البلوى وقهرها بالصبر والعمل والإصرار.

وليس اكثر سعادة من العمل والكدح المستمر يوميا في البحث والتمرين والخلق والعطاء.