مسرحة الفعل الساعاتي

رؤيا جديدة لمفهوم العرض المسرحي

قاسم مطرود

 

عرض مسرحي

 

هل تقدم الساعة الجدارية أو اليدوية عرضا يشبه العرض المسرحي، أو هو كذلك؟

لاحقني هذا الموضوع لفترة طويلة منذ قدت سيارتي مسرعا للحاق بموعد هام والساعة الالكترونية أمامي تقضم بالوقت وتستفزني، تذكرت حينها صديقتنا الهولندية التي عطلت ساعتها عمدا ورمت ساعتها اليدوية، لأنها وحسب زعمها تثير أعصابها.

ويوم كنت ممتدا على سرير نومي وساعتي الجدارية تنتصب أمامي، وهي أول شيء يقع نظري عليه عند الاستيقاظ، ركزت حينها على عقارب الساعة الثلاث وطبيعة حركتهم داخل المينة، وافترضت أن العقارب الثلاث

1-   عقرب الثواني الذي يتحرك مسرعا وكأنه يهرب من الآخرين

2-   عقرب الدقائق الذي يجر خطاها خلف العقرب الأول وهو تابعه المطيع

3-   عقرب الساعات ذلك الكسول الذي يدور خلفهما شاء أم أبا

تصورت حينها أنهم يمثلون مشهدا حيا أمامي وافترضت المعادلة التالية

العقارب الثلاثة = الممثلون

المينة           = خشبة المسرح

أمعنت النظر على مكان العرض الذي رسمت عليه الأرقام بكل دقة وكأن مصمم السينوغرافيا احسن توزيع كُتَلِه على المنصة بوضع الأرقام من رقم 1حتى رقم 12ذلك الرقم الذي يعني الكثير إذ فيه نعرف منتصف اليوم ونهايته.

فلا يكتمل العرض إلا بوجود المشاهدين، وببساطة توصلت إلى المحدقين الدائمين إلى ساعاتهم اليدوية أو المنصوبة في الشوارع العامة

المتلقي = المحدق

 

الصراع

 

ويمكننا ايضا الكتابة حول عنصر الصراع في هذه اللعبة وما مدى إمكانية وجوده، فاني أجده في فكرة الصراع مع اليوم الذي تأكله الساعات وهو منسابا في الأزمنة اليسيرة وعسيرا صعب المراس في الأيام الصعاب وكل يوم يقتل الذي قبله وهكذا تفعل الساعات والدقائق والثواني، انه الفعل التراجيدي الذي جسدته الدراما الإغريقية، وتقريبا كل المسرح الكلاسيكي كي يتم التطهير وخلاصنا من يوم البارحة خلاص حتمي.

في المسرح الكلاسيكي تكون هناك دوافع مختلفة للقتل وقد لا نعرف القاتل، ولكن في الصراع الدائر في مسرح الساعات نعرف القتلة اللذين يتحركون أمامنا، وما أن يقومون بفعلة أمام أعيننا يردفونها بالأخرى، وكان عقرب الثواني يصرخ في وجوهنا قائلا

-         أنا البطل القاتل الأسرع في مسرح الساعات من يحاول إيقافي يتأخر هو

من لديه موعد هام مع حبيبة أو لمصلحة خاصة يؤيد فعل القتل ويطالب بالمزيد سائلا العقارب

-         أسرع أجهزوا على الوقت اقتلوا الدقائق

انه يروم الوصول إلى ساعة مقررة قدتم الاتفاق عليها، لذا يكون شاهدا على فعل القتل ومحرضا ومشاركا على إعدام اللحظات. المحدق هنا يشبه المشاهد في "كولزم" "colosseumحلبة الصراع الرومانية التي أكلت وحدها نصف مليون إنسان، الكل يدفعون عقارب الساعة بالأسرع في القتل والإجهاز على اللحظة.


لكن الذي لديه موعد عادي رسمي وقد فاته الوقت يقبل الفعل الساعاتي بحزن وإصغاء مترجيا العودة إلى الوراء قليلا أو الوقوف الآن عند هذا الحد، تبدو لنا المعادلة معكوسة فمن لديه موعد مع من يحب يدعم فعل القتل، ومن لديه موعد مع من لا يود يستهجن هذا الفعل.

 

الإثارة

يحدث في المسرح الاستفزاز والشفقة على المتلقي، وما مدى وجود هاتين الخاصيتين في الفعل الساعاتي؟

يحدث هذا حين يفاجأ المحدق بتأخره عن وقته المحدد، إذا يتمنى حينها تحطيم الساعة أو قتل أبطالها أو طردهم من حلبة الصراع الساعاتية، لأنهم بينوا له حقيقة خطأه وعدم توازنه في وقته الحاضر، ولان طبيعة المحدق المشاهد الإنسان لا يحب الناصح آلة كانت أو كائن حي لذا تكون قد استفزته وبعثرت فيه أللإنساني

 

النصيحة

كيف يمكنها إرسال المواعظ والحكم الفلسفية عبر الثيمة التي يطرحها العرض المسرحي، أو لم يطرح اللغز على أوديب يوم دخل مدينة طيبة وكان حله هو الإنسان ذلك الذي يمشي في بادئ الأمر على أربع ومن ثم على اثنين وفي نهاية الأمر على ثلاث، إن الفعل الساعاتي يطرح علينا اللغز ذاته ويرينا الصورة التي نكونها عبر الزمن المتساقط من معصمنا متهاوي مع ملايين الخلايا وكأنه يقول:

-         ها أنت في مرحلة الاثنين وغدك على ثلاث، ستكون مع عصا ودونها لا يحملك جسدك

إنها وبحق صرخة مدوية من مشهد الفعل الساعاتي ونحن نحدق ونتيقن بان الذي مضى لا عودة فيه وعند سقوط كل شعرة من الرأس معه تنهار الثواني واكبر دليل على الانهيار وبلوغ النهاية هو بياض الشعر إنها نصيحة الساعات يوم تدق قائلة

-         أستبق الآن الوقت، وقتك سيسبقك إن لم تسبقه

الصراع مع عقارب الساعة صراع ثنائي الأداء بيننا من جهة وبينهم من الجهة الأخرى، الفعل الساعاتي المجسد داخل المينة يعلن

-   موتنا المحتم، أسرعنا أو لم نسرع، النهاية أعلنتها الساعات يوم كانت تعمل على نبض معاصمنا.

 

التكيّف

 

هل تتكيف العقارب وبيئة التجسيد، وما علاقتها بالبلدان التي تسكن تحت الصقيع أو الأراضي التي تسكنها أشعة الشمس، هل تؤدي دورا مختلفا هنا أو هناك، إنها تبلغ المحدق في استراليا بنهاية العام قبل أن تبلغ الآخرين، إلا يشبه هذا القراءة المختلفة للنص وبالتالي العرض المسرحي بين تلك المساحات فالعرض ألساعتي أعطى شيئا مختلفا في اليوم نفسه الذي احتفل فيه المحدقين المشاهدين في استراليا قبل أوربا مثلا وفي أوربا يدخلون العام الجديد وبالتالي اليوم الجديد الذي يعني التخطيط المسبق وفق ما قالته الساعات، الساعات في الشرق الأوسط يمكننا تسميتها بالعرض الساعاتي الأوسطي وهكذا هي في أوربا أو أمريكا، ألا يقودنا هذا إلى الاستعارات التي حملت على مسرحية هملت على سبيل المثال يوم لبس هاملت عباءة كل البلدان، هملت دنمركيا، عربيا، أفريقا...الخ

 

الاختلاف في الدقة

 

الكثير من الدول المتقدمة تعلمت احترام الوقت والدقة بالمواعيد وهذا واحد من أهم أسباب تقدمها، فلا يمكنك الاتفاق مع شخص على موعد في الأسبوع القادم إن لم يفتح مفكرته باحثا عن المساحة المتاحة له كي يدون اليوم والساعة لذلك الموعد، وان تأخرت عليه دقائق كان الغضب من نصيبك، هذا يعني إن ما يقدمه العرض الساعاتي في هذه البلدان لهو مختلف تماما عن البلدان التي لا تعطي للوقت أية أهمية وعامها هذا لا يختلف عن العام الذي سبق، فدور عقارب الساعة هنا ليس كما هو هناك انه عرض مختلف تمام الاختلاف