قاسم مطرود:

النص هو أكثر من مؤرخ و محتج
حاورته: منى كريم

 

"من أجل حفر أعمق تجاه نص الورشة المسرحية،والذي يتكلم عن ثنائية الإنسان والحرب ، فكرنا بأن نقرب الميكرفون من صوت هذا المبدع المسرحي  ... هنا حوار مع صوت لا يكل من الصراخ في وجه القسوة"

-   ما هي رؤيتك للمشهد المسرحي العراقي في ظل الظروف الراهنة

لا يمكن للمسرح كمعطى حضاري ورافد هام في إثراء الرؤيا الإنسانية، في جل العصور، أن ينعزل عن عصره في كل الأحوال.

إذ ارتقى المسرح الإغريقي ووصل قمته في زمن الحاكم بركليس حيث أنتج الإغريق شوامخ مسرحية مازلنا نترنم بها، وانتكس في العصور الوسطى حتى دياجير الظلام.

وما المسرح العراقي إلا انعكاس أو رد فعل حتمي لحدث جل لا يستوعبه عصر واحد، أن ما يجري من محاولة توزيع البؤس مع الشهيق على الشريحة الأكبر من البنية الاجتماعية العراقية ومحاولة تشويه هويتها بالمعاول والمدافع والجرافات والمفرقعات والأجساد العفنة المتفجرة، كلها صراخ في وسط صمت قاعة العرض التي تستوجب الإصغاء بطريقة مقدسة.

إننا وللأسف نفقد المقدس في طقسية المسرح العراقي لزحمة العجول السائبة خارج المنصة.

لكننا لو استقرئنا تاريخنا وتاريخ الشعوب الأخرى لوجدنا ثمة تشابه بالمأساة واختلاط غبار المدافع وبساطيل الجنود لعرفنا أن العراق نهض بعد موت سحيق وسبات لسنوات لمرات عدة، وهكذا هي حقائق الشعوب، فلا يمكن للجرافات أن تميت جمال الصورة في مسرحنا ولا يحق لعربد الجنود الغزاة أن تمسخ تاريخنا المسرحي والحضاري، قد تستطيع تأخير نمونا، إلا أن مسرحنا الحق قادم وبأنفاس ستدهشنا نحن قبل الآخرين

- مسرحية “ أحلام في موضع منهار “ تمتلك “ لغة حوارية شعرية لافتة، لماذا اخترت هذه النبرة لتقديم فكرتك ؟

هكذا تكونت لغتي في الكتابة المسرحية, دون أن أتعمد ذلك وقد استفدت من محاولاتي الأولى بكتابة الشعر ونشر بعض القصائد منها وأنا في سن السادسة عشر كما أن حبي وإطلاعي المتواصل إلى الشعر, جعل وحسبما اعتقد هنالك انسيابية في الجملة المسرحية أكثر من كونه شعراً, علما بأني لست متفقاً مع الذي يلون عنق اللغة المسرحية ويكتبونها شعراً وكأن المسرح هو كلمات فقط أو الجميل والعذب من الجمل, في تصوري إن الكلمة هي أداة واحدة من جملة أدواة تلعب دورها في إنجاز العرض المسرحي, وقد تختلف مكانة اللغة من عرض إلى آخر, فربما تجديها في عرض هي السيدة وعرض آخر هي الخادمة أو لا تجد لها حضورا بالمرة                                                             

- ما أثار انتباهي أن النص لا يختص بالتجربة العراقية الأليمة عن الحروب، بل هنالك تفاصيل تحولها إلى مسرحية تتكلم عن تجربة الإنسان مع الحرب بشكل عام، ألا تفضل الطرح الخصوصي؟

في سؤالك جملة إجابات واستفسارات في الوقت نفسه, أولا لا أعرف ماذا تعنين بالطرح ألخصوصي وإن كان القصد هي الكتابة عن قضية محدودة كما يحدث في العراق مثلا أو ما تعانيه دار فور أو أزمة أخرى، حقا أنا عراقي والمشكلة العراقية تنخر عظمي وتتعبني ليل نهار وتسمرني أمام التلفاز وحين أرى ذلك الدم يسيل في الشوارع وعلى الأرصفة وتحمل أجساد أبناء جلدتي في عربات لنقل المواشي, أتمنى ساعتها أن أبصق في وجه كل القوانين, ولاني أستطيع التعبير عن ذلك الكرب والفجيعة إلا بطريقتي الخاصة وهي تقديم الفعل الاحتجاجي الموجوع وبصرخة, عسى أن تصل عبر كتابتي للنص المسرحي والذي أتمناه أن يصل حتى ولو إلى أطرف أو أجزاء من تلك الكارثة, ولكن أنا لا أحاول أن أتناول المألوف من الأشياء ليتحول إلى مقالة صحفية تنشر هنا أو هناك. إن النص الإبداعي هو خلق وتكوين وشاهد عصر, نحن مازلنا نطلع على المسرح اليوناني ومنه عرفنا حجم المعارك بين اليونانيين والفرس ومن خلال هذا المسرح عرفنا جل المشاعر الإنسانية, لذا فإن النص هو أكثر من مؤرخ ومن محتج, انه إعلان فعل احتجاجي تصحيحي لما يعيشه الإنسان في عصره. وإذا كنت قد استشفيت من هذا النص بأنه يتكلم عن تجربة الإنسان مع الحرب بشكلها العام الإنساني وهو صرخة احتجاج ضد هذه الهمجية فأكون قد نجحت             

- هنالك بالطبع اختلاف جذري بين النص المسرحي والعمل المسرحي المتكامل، هل ينتقص من المسرح أن نتناوله باعتباره نصاً بالدرجة الأولى؟
 

الأول جزء من الثاني ودون النص لا يكتمل العرض, على الرغم من الطروحات الكثيرة والمختلفة حول دور المؤلف المسرحي وإمكانية إلغائه واستحداث ما اسميه بالمخرج المؤلف أو سيناريو العرض الذي تبنيه مجموعة الممثلين, إلا أني أقول بقى شبح النص مخيما على المنظومة المسرحية النهائية التي تجسد على خشبة المسرح وعليه فان العرض المسرحي هو المنظومة النهاية التي تضافرت فيه جهود كثيرة والنص هو المفجر الأساس لهذا المنجز, وإذا رغبتي بالتحدث عن المسرح كونه نصا فقط, فانك تتعمدين إلغاء جهود إنسانية وتكنولوجية أخرى، ومازال هذا حتى يومنا هو محل اختلاف, فهناك من يعتبر المؤلف أهم ركن في العرض المسرحي وآخر من يعتبر المخرج هو الأب الحقيقي لذلك الشكل الفني وبعضهم يميلون إلى صانع السينوغرافيا لأنه هو الذي يحكم المسرح بحركة الممثلين وإعطاء الفعل ألإبصاري النهائي للعرض وهكذا ولكنني أقول: إن جميع هذه الجهود وجهود أخرى وحماسة الجمهور هي التي تصنع عرضا مسرحيا متألقا

 

-هنالك زخم من النصوص التي تتكلم عن الإنسان والحرب، ما الذي أردت أن تضيفه عبر نص " أحلام في موضع منهار "؟
 

شيء بسيط, أردت فقط أن احتج على عصري الذي استهان بالإنسان.

- كيف يتعامل قاسم مطرود مع المسرح حين يكتب، ومع المسرح فوق الخشبة ؟
 

لا فرق, إني أخشى المسرح واجله, منذ درست في مهد الفنون في مقتبل العمر تيقنت أني أمام صرح كبير عليّ أن أحسن التعامل معه, وقد تجذرت هذه الطروحات عند إكمال دراستي في أكاديمية الفنون الجميلة وحاولت إيصال ذلك الصدق وأهمية المسرح إلى طلابي حين استلمت عمادة أكاديمية الفنون الجميلة في الجامعة الحرة في هولندا وهو لا يختلف عن أي منصة أو منبر ينوي إشاعة التغير في نظم الإنسان التي تحتاج إلى تبدل دائم كي يستمر العقل بالعطاء والتواصل

-هل تعتقد أن هذه اللغة الجميلة في النص ليست عصية على المتلقي العادي، هل ستلتقط مشاعره ما تريد قوله ؟
 

أولا أشكرك على وصفك, بأنها لغة جميلة, قد اتفق معك في جانب واختلف في منح ٍ آخر, لم استعمل يوما لغة معجمية بل لغة الحياة العادية ولكن فيها انسيابية كما أسلفت, ممزوجة بالطقوس المسرحية, ولكن الصعوبة تكمن في فهم النص ولا اعني النص الذي تسألين عنه بل كل النصوص التي كتبتها, هي لا تصل إلى القارئ في القراءة الأولى, لأني وهذه لعبتي المسرحية ألغمها كثيرا واحمّلها مفاهيمٍ ودلالاتٍ فلا أضع شيئا على خشبة المسرح إلا وكانت له دلالة, أو يقل احدهم جملة ما وليس فيها مدلول ترمي إليه كما إني لا أحب الإنشاء في النص وغالبا ما تكون حوارات عبارة عن ومضات سريعة وكلما أعيد النص احذف الزائد من الجمل والمفردات التي لا تدعم الفعل المسرحي.

-أرى أنك تستخدم كلمة إبداع في حواراتك وفي حديثك، بالنسبة لك، الإبداع محاولة خلق لـ ذاتك، أم محاولة لتكبير صورة مخفية ؟
 

حقا إن الإبداع هو إعادة صياغة ألذات وبناء دفاعات ضد آلاف الميتات التي تقتحمني كل يوم, اشعر بالنصر عندما انهي كتابة نصا مسرحيا, لأني أظل شبه معتل قبل وخلال كتابة النص, والنهاية منه فرح لا مثيل له, بل اشعر أن جسدي اخف من قبل, أن استخدامي إلى كلمة إبداع مع المبدعين الحقيقيين حقا هي اعتراف بما خلقوا وانشئوا من نسائج جديدة في وتيرة الحياة وربما تكون الكتابة الإبداعية وإحساسنا بالإنجاز هي إشاعة الوهم في نفوسنا وإقناع ذلك الإنسان النائم في الأعماق بأنه لم يخلق عبثا